تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
الطاعة الظاهرة بلا طاعة باطنة ، فإن ذلك معناه أنه خرج عن طريق اللّه ، لأنه قد وقع في الرياء الخفي ، وذلك أن تطلع الإنسان وميله لإظهار الناس على طاعته وخصوصيته التي خصه اللّه بها من الأعمال الصالحة يعتبر دليلا على عدم صدقه في عبوديته ، لأن العبد الصادق لا يهتم بالآخرين ، ويكتفى بأن يعلم به رب العالمين ، ومن أحب بأن يعرف الناس فضله وعمله فهو مراء ، ومن رغب في أن يطلع الناس على حاله فهو كذاب ، إذ إن المؤمن الحقيقي هو الذي يخفى حاله ويجتهد في أن لا يذكره للناس وأن يبلغ في كتمانه أقصى ما لديه من قوة . والإنسان الذي يعصى اللّه أخف ضررا من هذا المرائي ، لأن العاصي إنما هو ظاهر للناس ، ويمكن أن يقام عليه الحد ، ويمكن أن يتوب ويرجع عن آثامه وأخطائه . وأما مريض القلب الذي يظهر غير ما يبطن ، فهو أكثر نفاقا وكذبا ورياء من العاصي ، إذ إنه يستظهر الطاعات والأعمال الصالحات ويبطن الكفر والفسوق والعصيان . وبالإضافة إلى ذلك ، فإنه يمكن الإشارة إلى أن الطاعة عند الصوفية يمكن أن تعتبر مسابقة بين العباد في الظاهر والباطن ، فكما أن بين الناس اختلافا واضحا من الطاعات الظاهرة ، فإن بينهم أيضا اختلافا واضحا في الطاعات الباطنة ، فإذا طلب الإنسان أعلى الدرجات ، فعليه أن يجتهد حتى لا يسبقه أحد بطاعة اللّه ، وقد أمر اللّه تعالى بالمنافسة والمسابقة في الطاعات إذ قال :
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
( الحديد : 21 ) . وقوله :
وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ
( المطففين : 26 ) . فالطاعة عند الصوفية إنما هي منافسة شريفة صادقة للتقرب إلى اللّه إلى أن يصل العبد إلى الثبات في المرتبة فتتلاشى مشيئته في مشيئة اللّه . ومن المعلوم أن الطاعة عند الصوفية إنما هي عدم الغفلة عن ذكر اللّه ، وهي في نفس الوقت عدم المخالفة والاعتراض ، فهي إيجابية وسلبية في آن واحد ، بمعنى وجوب طاعة اللّه ، وسلب الاعتراض من النفس على أحكام اللّه وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم . فإذا اعترض مسلم على أمور أباحها الشارع قائلا : ( لو كان الحكم لي ما أبحتها بل حرمتها وهجرتها ) . وهذا