ومؤرخ الوجدان المصري نجيب محفوظ " حدث الشيخ عبد ربه التائه قال :
أغرتنى نشوة الطرب ذات مرة بالتمادي في الطرب ، حتى طمعت أن أثب من الطرب الأصغر إلى الطرب الأكبر ، فسألت اللّه أن يكرمني بحسن الختام ، عند ذلك همس في أذني صوت : ( لا بارك اللّه في الهاربين ) ، وسألت الشيخ عبد ربه التائه : متى يصلح حال البلد ؟ فأجاب :
عندما يؤمن أهلها بأن عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة " 3 .
والثالثة : قد يظن أن الفناء ، وهو أحد نتائج الرحلة الروحية في المعراج الصوفي ، ضرب من إضعاف الذات أو انحلالها ، وقد غلط بعض السالكين في ذلك ، وإنما هو التخلي عن أوصاف الخلق ، والتحلي بأوصاف الحق ، بل هي عملية تنمية روحية وأخلاقية للذات الإنسانية مستمرة ومتجددة ، تكتمل بتكميل العبودية الخالصة للّه - وهو مقام الفقر - حين يصير مراد الحق هو مراد العبد ، وهنا يصبح العبد المؤمن - كما يقول إقبال - :
سيفا في يد القدرة ، تقذف به على الباطل فيدمغه ، ألا ترى إلى الشيخ أبى المواهب الشاذلي ، وهو في مقام الخشوع والتذلل والدعاء ، يخاطب مولاه رامقا راجيا : " واقذف بي على الباطل بأنواعه ، في جميع بقاعه ، فأدمغه بالحق ، على الوجه الأحق " 4 .
ومن ثم كان التصوف صرخة مقاومة ضد الفساد الاجتماعي ، بل لعله نشأ أصلا ردة فعل لهذا الفساد .
وأخيرا : فإن التصوف حركة شاملة ذات طابع " راديكالى " تتناول نفس المريد من الداخل ، وتقوم على مبدأ التغيير الذاتي القرآني ، ولكن لها تجلياتها المتعددة : الفكرية والفنية والاجتماعية والثقافية بل والسياسية أحيانا ، ومن الطبيعي لحركة شاملة كهذه - وإن كان جوهرها هو الإحياء الروحي - ألا تخلو في تاريخها الطويل منذ القرن الثاني الهجري ، من مظاهر ضعف وانحراف عن طابعها الأصيل ، بل إن الشيوخ يشكون منذ بدء التدوين من أغلاط للقوم وبدع شاعت بينهم في الفكر والعمل ، وانتسب إليه قوم لا همّ لهم إلا البطالة والتمشيخ المظهرى الزائف . . . وربما
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 390
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٣٩٠