دور التصوف في الجهاد
عن دور التصوف في المقاومة الوطنية ، تأتى شهادة التاريخ ناصعة من كل ساحات الجهاد ضد الغزاة في العالم الإسلامي كله شرقه وغربه ، خلال القرنين الأخيرين اللذين شهدا وقائع الغارة الاستعمارية الباغية وانتفاض المقاومة الوطنية ضدها ، وقبل أن نستعرض في عجالة هذا الدور المجيد للمناضلين الذين خرجوا من محاريب الذكر والدعاء إلى ساحات التضحية والفداء ، نتساءل - لماذا كان هذا الدور المتميز ، لهؤلاء النبلاء الذين يطالعنا موكبهم الجليل ، لا يكاد ينتهى أبدا ؟
والجواب يتمثل في أمور :
أولاها : الإرث النبوي ، يقول أحد صوفية الهند : " لقد بلغ محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى مقام قاب قوسين ثم عاد مرة أخرى ، واللّه لئن وصلت إلى هناك ، فلن أعود أبدا " ، ويعقب محمد إقبال على هذا القول بأنه يجسد الفرق بين الوعي الصوفي البحث والوعي النبوي الرسالي ، وقد قرر المتابعون للتجربة الصوفية الإسلامية أنها تحاكى المعراج المحمدي في مراحله الثلاث : سفر من الخلق إلى الحق ، وسفر في الحق تعالى ، وسفر من الحق إلى الخلق من جديد ، فلابد للصوفى العارج على القدم المحمدي من عودة لكي يمارس دوره في هداية الآخرين ؛ للتخلي عن الرعونات البشرية ، وحفزهم للتحلى ولو جزئيا بالكمالات الإلهية ، ودفعهم - أو المهيأ منهم خاصة - للإقلاع الروحي في معراجهم الخاص لنيل حظهم من الوراثة النبوية والاغتسال بالأنوار الإلهية ، فقد اقتضت قداسة هذا الحرم ، حرم القلوب الإنسانية ، ألا يقترب منها أو يتعامل معها إلا الأنبياء ؛ وورثهم في بعض ذلك الفقهاء والعلماء الذين يعملون على إرشاد النفوس وتهذيبها وفق معطيات الوحي ، وينهضون بدور رفيع القدر في خدمة مجتمعاتهم ، وقيادتها :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ