تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
[ المجادلة : 11 ] . أما وراثة النبوة في إرشاد النفوس وتهذيبها ، وقيادة الأرواح والعروج بها ، فقد حظى بها قوم من الزهاد العارفين بعد عصر الصحابة والتابعين - وهؤلاء هم الصوفية - وربما جمع بعضهم بين الاجتهاد العلمي والعرفان الروحي ، كالبصرى وابن المبارك والجنيد والمحاسبي والتستري والغزالي وأمثالهم ، لما تهيأ لهم - مع العلم الظاهر - من هذا الإرث النبوي الروحي الذي يحفظ شعلة الحب واليقين والتنوير الروحي ، متقدة في صميم القلب ، تستمد زيتها من معين الفطرة والوحي والإلهام المتجدد في معارج السمو الروحي
كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
[ النور : 35 ] . وثانيها : أن من أنبل مهام التصوف أنه يحفز همم السالكين للتعلق بالمثل العليا والسعي لتحقيق نوع من ( البطولة الخلقية ) - هكذا وضع العقاد حقيقة التصوف 1 - إذ يقاوم السالك نفسه وهواه ، ويتشبه بأخلاق مولاه - عز وجل - مؤتسيا بمظهر الكمال الإنسانى محمد صلى اللّه عليه وسلم والأنبياء من قبله ، وبقدر ما يكتسبه من هذه الأخلاق يكون حظه من التصوف ( التصوف خلق - كما يقول الكتاني - فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الصفاء ) . وأول هذه الأخلاق السخاء أسوة بإبراهيم الذي أراد أن يضحى بولده ، وآخرها الفقر أسوة بمحمد - عليهم جميعا صلوات اللّه وسلامه - فلا عجب أن تصدر التضحيات عن مثل هؤلاء - ونحن نتكلم عن صوفية الحقائق والأخلاق لا صوفية الرموز والأرزاق - في يسر وسهولة ، كأنها طبيعة ثانية وملكة مواتية ، يقول الشيخ الرئيس منذ ألف عام في ( إشاراته وتنبيهاته ) وهو من هو غير متهم بانحياز إلى القوم : " العارف شجاع : وكيف لا ! وهو بمعزل عن تقية الموت ، وجواد : وكيف لا ! وهو بمعزل عن محبة الباطل ، وصفاح عن الذنوب : وكيف لا ! ونفسه أكبر من أن تجرحها زلة بشر ، ونسّاء للأحقاد ؛ وكيف لا وذكره مشغول بالحق " 2 . ويقول الأديب العربي المعاصر ،