تعالى . فإذا كان الخاطر يدعو إلى فعل الشر سمى وسواسا وإذا كان يدعو إلى فعل الخير سمى إلهاما ويميز العبد بين خاطر الإلهام وخاطر الوسواس بأن يعرضهما على الشرع فما وافق الشرع كان إلهاما وما خالفه كان وسواسا 2 .
ولا يحل الداعي إلى الشر ( خاطر الوسواس ) بالقلب إلا إذا كان القلب خاليا من خاطر الإلهام . لأن القلب بفطرته مخلوق ومجبول على محبة الخير والتوجه إليه بفطرته فإن سار بخاطره نحو كمال فطرته فانشغل بالتفكير في الخير فإن اللّه يمده بعونه ومدده فيوفقه لفعل الخير فتتحرك الجوارح نحو فعله فيقع الخير بتوفيق من اللّه . وإن لم ينشغل القلب بداعي الخير فإنه ينشغل بغيره وهو داعى الشر لأن القلب لا يعيش في فراغ أبدا . فإن لم ينشغل بالخير انشغل بالشر وإذا انشغل بداعي الشر ( الوسواس ) فإن اللّه لا يمده بتوفيقه بل يدعه إلى نفسه فينشغل بوسواس الشر فتتحرك الجوارح نحوه فيقع الشر . وهذا التحليل الدقيق يفسر لنا السر في أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم كان يقول في دعائه : اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك . فالشر لا يقع من الإنسان إلا إذا كان قلبه خاليا من الاشتغال بالتفكير في فعل الخير ، وهذا يؤهله للتفكير في فعل الشر كما سبق القول . والرسول صلى اللّه عليه وسلم قد استعاذ من الحالتين معا من عدم التفكير في الخير ومن التفكير في الشر .
قال صلى اللّه عليه وسلم : ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا . فسمى فراغ القلب من التفكير في الخير شرور النفس وسمى التفكير في فعل الشر سيئات الأعمال لأنه عمل وجودي يترتب عليه حركة الجوارح لفعل الشر فتقع المعصية .
أ . د / محمد السيد الجليند
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 386
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٣٨٦