حكمة باهرة للعقل وحجة قاهرة وآية ظاهرة ونعمة سابغة ، فإن إبليس للأديان والإيمان كالسموم للأبدان والأجسام وفي خلقه السموم من الحكم والمصالح ما هو خير من تفويتها ولا يعلم ذلك إلا أولو الألباب . ومن تأمل وجود هذه الأشياء أيقن بغلبة الخير في وجودها على الشر ووجود الخير الغالب مع الشر القليل أولى في الحكمة الإلهية من العدم . وفوات الخير الغالب شر غالب ، والمثال على ذلك في وجود النار فإن الخير في وجودها غالب على ما فيها من مفاسد . ولذلك كان وجودها في الحكمة خيرا من عدمها لكثرة ما فيها من منافع .
وإذا قيل هلا اقتضت الحكمة وجود هذا العالم على نحو من الخير الخالص بدون الشر ولو كان قليلا . قيل يكون ذلك عالما آخر غير هذا العالم
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ
( آل عمران :
191 ) . فإن وجود العالم على ما هو عليه من وجود الخير الكثير المتضمن للشر القليل هو واقع على أكمل الوجوه .
ويجسد الغزالي موقف الصوفية في تفسيره لوجود الخير والشر حين يرى أن كل عبد يسير إلى فعله الذي قدر له أزلا شاء أم أبى ، واللّه تعالى خلق أسباب العذاب وساق أهلها إليها ، وخلق أسباب النعيم وساق أهلها إليها ، فالعبد وفعله مخلوقان للّه وإذا كان اللّه يمدح الطائع ويذم العاصي فليس ذلك إلا لأن العبد محل للطاعة أو محل للمعصية وليس فاعلا لهما " . . فأنت وفعلك عطاء من اللّه تعالى ومن حيث أنت محله فقد أثنى عليك وثناؤه نعمة أخرى منه إليك . فهو الذي أعطى وهو الذي أثنى وصار أحد فعليه سببا لانصراف فعله الثاني إلى جهة محبته وأنت إذا شكرت اللّه أو كنت عالما فأنت موصوف بأنك شاكر وعالم ليس لأنك خالق للشكر والعلم بل لأنك محل لهما فقط " 1 .
وعند الغزالي أن اللّه هو الذي خلق وهو الذي هدى وهو الذي أعطى ثم أثنى ومدح وذم . وهذا التفسير عند الغزالي ينطلق من رؤيته للقدر الكوني ورؤيته للقدرة المطلقة وشمولها لكل من الخير والشر على سواء .
وفعل الخير والشر الذي يقع من الإنسان يكون مسبوقا بالخواطر والدواعي التي تحدث في القلب فتبعث فيه الرغبة على الفعل فتتحرك الجوارح نحو تحصيل الفعل . وهذه الخواطر تحدث في قلب الإنسان خلقا وإيجاد من اللّه