تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
الصوفية - بمنزلة السوط للدابة ، فإن الأصلح للدابة ألا تخلو عن سوط ، وكما أنه ليست المبالغة في استخدام السوط بالنسبة للدابة محمودة فإن ترك استخدامه جملة بالنسبة لها غير محمود أيضا . والخشية المفرطة تؤدى إلى اليأس والقنوط ، فهي مذمومة ، لأنها تمنع عن العمل وقد تؤدى إلى المرض والوله والموت وكل ذلك مذموم ، لأن كل ما يرد لأمر فالمحمود منه ما يحقق المراد المقصود منه ، والمذموم فيه ما يقصر عن ذلك المراد أو يتجاوزه .

فائدة الخشية :

هي الحذر والورع والتقوى والمجاهدة والفكر والذكر والتعبد وسائر الأسباب التي توصل إلى اللّه تعالى ، وكل ذلك يستدعى الحياة مع صحة البدن ، وسلامة العقل ، فإذا قدح في ذلك شئ كان مذموما 6 . وعلى هذا فمقام الخشية والخوف ليس واحدا بالنسبة للصوفية ، فهم مختلفون فيه 7 فمنهم من يغلب على قلبه خشية الموت قبل التوبة ، ومنهم من يغلب على قلبه الخشية من الاستدراج بالنعم أو خشية الميل عن الاستقامة ، ومنهم من يغلب عليه الخشية من سوء الخاتمة ، وأعلى من هذا كله عندهم خوف السابقة وخشيتها ؛ لأن الخاتمة فرع السابقة واللّه تعالى يرفع من يشاء بغير وسيلة ، ويضع من يشاء من غير وسيلة
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
( الأنبياء : 23 ) وقد قال : « هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي » 8 . ويتساءل الصوفية - هنا - فيمن مات من الخشية والخوف ، ويجيبون على تساؤلهم بأنه : ينال الموتة على تلك الحال من الخشية ، مرتبة لا ينالها لو مات من غير خوف أو خشية ، إلا أنه لو عاش وترقى إلى درجات المعارف والمعاملة كان أفضل ، لأن أفضل السعادة طول العمر في طاعة اللّه تعالى ، فكل ما أبطل العمر والعقل والصحة فهو نقصان وخسران . ولذلك فإن حال الخشية عند الصوفية كانوا يكرهون هذا التماوت وكانوا يحبون حياة الناس بكل ما فيها من جد وقوة في صالح العمل ، حتى ليرى أحدهم أن خدمة فرسه الذي أعده للجهاد في سبيل اللّه ومسحه أعرافه من أجلّ أنواع الخشية والعبادة 9 . هذا . والخشية تقتضى ممن يتحلى بها