تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤

الحقيقة والشريعة

يعبر هذا المصطلح عن مستويين متمايزين في الاستعمال الصوفي ، لكنهما متلازمان بالضرورة عند المحققين من الصوفية ، ولا غنى بأحدهما عن الآخر كتلازم الروح والجسد . والشريعة يعبر بها عن ضرورة الالتزام بما أمر به الشارع وما نهى عنه ، والحقيقة يعبرون بها عن روح الأوامر والنواهي التي وردت بهما الشريعة ، وكما أن الجسد بلا روح لا حياة فيه فكذلك الشريعة بلا حقيقة لا حياة فيها لقلب المؤمن والعارف . وقد عرف القشيري الشريعة بأنها أمر بالتزام العبودية ، والحقيقة بأنها مشاهدة الربوبية ، فكل قول بشر غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول ، وكل قول بحقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول . والشريعة جاءت بإنباء الخلق بالتكاليف أمرا ونهيا ، أما الحقيقة فهي إنباء عن تصريف الحق في أمور الخلق . فالشريعة أن تعبد اللّه بما أمر وبما نهى ، والحقيقة أن تشهد ما قضى اللّه به وما قدر ، وما أخفى من أمره وما أظهر . ويشير أئمة الصوفية إلى ضرورة التزام الصوفي بالجمع بين الحقيقة والشريعة في سلوكه الطريق إلى اللّه ، ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر حتى لا يخرج عن مقصد القوم وغايتهم 1 . ويتنوع حديث الصوفية عن الحقيقة والشريعة حسب المقام الذي يتحدث منه العارف ، وحسب تجربته الذوقية ، وحسب حاله من الوقوف على مراتب التوحيد وحظه منه . ومن هنا تنوعت عبارتهم في الإفصاح عما يجدونه من الحقائق وما يتذوقونه من كئوس المحبة . يقول ابن عربى ( ت 638 ه ) في تعريفه للحقيقة : إنها سلب آثار أوصافك عنك بأوصافه ؛ فإنه الفاعل بك فيك منك لا أنت ، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها 2 .