والحرف في مصطلح التصوف هو اللغة أو الوساطة يخاطب بها الحق العبد ، وهو ما قاله محيي الدين بن عربى [ ت 638 ه / 1240 م ] " الحرف هو اللغة ، وهو ما يخاطبك الحق به من العبادات " 5 .
ويعرف الجرحانى الحروف عند الصوفية ، أنها " هي الحقائق البسيطة من الأعيان وعندهم الحروف العاليات ، وهي الشؤون الذاتية الكائنة في غيب الغيوب كالشجرة في النواة 6 . فالحرف يحمل في داخله أسرار الوجود . وتكمن فيه جميع الحقائق الكونية والإلهية ، المشاهدة أو الغائبة عن الأعيان في المكان والزمان .
ويورد عبد الرزاق الكاشاني عدة صور لمعنى الحروف عند الصوفية وأنواعها . فيتكلم عن الحرف الوحداني ، والحرف الوجودي ، والحروف العاليات 7 .
وهي أهم صورة من صور الحروف التي يعتنى بها الصوفية .
والحروف العاليات يعنون بها أعيان الكائنات من حيث تعينها ، أي وجودها في أعلى مراتب التعينات ، كما تسمى الحروف في هذه المرتبة باسم الحروف العلوية ، وهذا ما أشار إليه ابن عربى قائلا :
كنا حروف عاليات لم نظل * متعلقات في ذرني أعلا القلل
أنا أنت فيه ونحن أنت وأنت هو * والكل في " هو " فسل عمن وصل
ويسمى ابن عربى هذه الحروف باسم المفاتيح الأولى ، المعبر عنها بمفاتيح الغيب ، وهي الأسماء الذاتية ، وأمهات الشؤون الأصلية ، التي هي الماهيات من لوازمها ونتائج تعقل تعريفاتها .
أما عبد الكريم الجيلى [ 832 ه / 1428 م ] فيرى الحروف على ثمانية أطوار 8 ، هي :
1 - حروف حقيقية ؛ وهي أعيان الأسماء والصفات .
2 - حروف عاليات ؛ وهي ذوات معلومات العلم الإلهى المعبر عنها بالأعيان الثابتة في العلم الإلهى .
3 - حروف روحية ؛ وهي الأرواح النورانية التي أظهر اللّه بها هذا الوجود ، كما أظهر الكلمات بالحروف الملفوظة .
4 - حروف صورية ؛ وهي جوانح هذا العالم الكلى وجوارح الإنسان .
5 - حروف معنوية ؛ وهي حركات الأشياء وسكناتها ، ينشأ منها حروف يتركب من تلك الحروف كلمات مناسبة