تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
نماذج التفسير الإشارى المأثور عن الصحابة رضوان اللّه عليهم إذ يقول الإمام الشاطبى رحمه اللّه وهو يقرر ثبوته : ( وله أمثلة تبيّن معناه بإطلاق ؛ فعن ابن عباس قال : ( كان عمر يدخلني مع أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم . فقال له عبد الرحمن بن عوف : أتدخله ولنا بنون مثله ؟ فقال له عمر : إنه من حيث تعلم . فسألني عن هذه الآية
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
( النصر : 1 ) فقلت : إنما هو أجل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعلمه إياه . وقرأ السورة إلى آخرها . فقال عمر : ( واللّه ما أعلم منها إلا ما تعلم ) . فظاهر هذه السورة أن اللّه أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يسبّح بحمد ربه ويستغفره إذ نصره اللّه وفتح عليه . وباطنها : أن اللّه نعى إليه نفسه . ولما نزل قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
المائدة : 3 ) فرح الصحابة وبكى عمر ! وقال : ما بعد الكمال إلا النقصان ؛ مستشعرا نعيه عليه الصلاة والسلام ، فما عاش بعدها إلا أحدا وثمانين يوما ) 18 . ومن هذين المثالين ندرك أن بعض الصحابة في المثال الأول - وهو مروى في صحيح البخاري 19 عن حبر الأمة - لم يدرك من معنى السورة إلا المعنى الظاهر وهو الأمر بالتسبيح بحمده تعالى والاستغفار إذا تم النصر والفتح . أما سيدنا عمر وسيدنا ابن عباس فقد فهما منها معنى آخر وراء الظاهر ألا وهو المعنى الباطن الذي تدل عليه السورة بطريق الإشارة . وكذلك في المثال الثاني فرح الصحابة بنزول الآية بفهمهم لظاهرها وهو كمال الدين وإتمام النعمة وارتضاء الإسلام دينا . بينما بكى سيدنا عمر لإدراكه المعنى الإشارى الباطن للآية وهو نعى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وهكذا يتأصل التأويل الإشارى الباطني للقرآن الكريم بثبوته عند كبار الصحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين . ولكن هل يقبل التفسير الإشارى الباطني على إطلاقه دون شروط أو ضوابط ؟ كلا ، فقد فنّن له علماء التنزيل ، ووضعوا له شروطا وضوابط لا يقبل إلا بتحققها وتوافرها .

شروط قبول التفسير الإشارى وضوابطه :

أولها : ما نص عليه صاحب ( الموافقات ) بقوله ( أن يصحّ على مقتضى الظاهر المقرر في لسان العرب ، ويجرى على المقاصد العربية ) 20 .