لخواص الأمة ، وذلك في مقابلة التفسير الظاهر المتداول بالسماع لعموم علمائها .
ولقد ورد عن كبار الصحابة رضوان اللّه عليهم ما يدل على أنهم عرفوا التفسير الإشارى وقالوا به .
فمن ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن الإمام ابن عباس رضى اللّه تعالى عنهما أنه قال :
( إن القرآن ذو شجون وفنون ، وظهور وبطون ، لا تنقضى عجائبه ولا تبلغ غايته ، فمن أوغل فيه برفق نجا ، ومن أخبر فيه بعنف هوى ؛ أخبار وأمثال ، وحلال وحرام ، وناسخ ومنسوخ ، ومحكم ومتشابه ، وظهر وبطن .
فظهره التلاوة ، وبطنه التأويل :
فجالسوا به العلماء ، وجانبوا به السفهاء ) 12 .
كما روى عن الإمام ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال : ( من أراد علم الأولين والآخرين فليثوّر القرآن ) 13 .
كما ورد عن أبي الدرداء رضى اللّه تعالى عنه أنه قال : ( لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوها ) 14 .
وقد عقب الحافظ السيوطي على هذين الأثرين بتوجيه الاستشهاد بهما لتأصيل التفسير الإشارى بقوله : ( وهذا الذي قالاه لا يحصل بمجرد تفسير الظاهر ) 15 . أي : بل يحصل بالتفسير الإشارى الباطن .
وكذلك استدل حجة الإسلام الإمام الغزالي رضي اللّه عنه لهذا التفسير الإشارى بما روى عن سيدنا علىّ كرّم اللّه وجهه أنه قال :
( لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب ! ) إذ عقبه بقوله : ( فما معناه وتفسيرها في غاية الاختصار ) ؟ ؟ 16 .
أي أن تفسير الفاتحة بهذا القدر البالغ حمل سبعين بعيرا لا يمكن أن يتحصل عليه من التفسير الظاهر الذي هو نتاج النقل والعقل ؛ فلابد أن يكون تفسيرا فيضيا إشاريا من لدن علام الغيوب ، وإذا كان هذا في تفسير الفاتحة وحدها فكيف بتفسير القرآن كله ؟ ؟ لقد صرّح سيدنا على بأن مردّ ذلك إلى الفهم الباطن حيث يقول ( من فهم القرآن فسّر به جمل العلم ) 17 .
وإذا كان الأمر كذلك فهل وعى لنا التراث التفسيري حظا من التفسير الإشارى عند الصحابة ومن بعدهم من المفسرين ؟
أجل . فقد سجلت المصادر الوثيقة - ومنها كتاب الموافقات للشاطبى - بعض
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 147
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص١٤٧