شاءت ، بصحة شهادة العبد قيومية من له الخلق والأمر ، وتفرده بذلك دون سواه . . .
وهناك يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقرا تاما إليه سبحانه ، من جهة كونه ربا خالقا ومن جهة كونه إلها معبودا ، وهذا هو الفقر الأعلى الذي دارت عليه رحى القوم ، وفي هذا المقام يكون الصوفي ، الموصوف بهذا الفقر ما أغناه من فقير ، وما أعزه من ذليل ، وما أقواه من ضعيف ، وما آنسه من وحيد ، فهو الغنى بلا مال ، والقوى بلا سلطان ، والعزيز بلا عشيرة ، وقرّت عينه باللّه فقرت به كل عين ، وهذا هو الفقر المحمدي ، والتحقق بصحة هذا ومعرفته يوجب صحة الاضطرار ويحول بين المرء ورؤيته أعماله وأحواله ، والتحقق بهذا هو نظام التوحيد ، ومن وصل إلى هذا الحال فقد وقع في يد التقطع والتجريد وأشرف على مقام التوحيد الخاص .
ومتى وصل إليه الصوفي فاق حب اللّه من قلبه كلّ محبة ، وخوفه كل خوف ، ورجاؤه كل رجاء ، فلا تتعدد الإرادات وإنما تتوحد في عينه إرادة الحق فيتوحد الطلب وتتوحد الإرادة ، ويتوحد المراد والمطلوب ، فإذا غاب بمحبوبه عن حب غيره ، وبمألوهه عن مألوه غيره ، صار من أهل التوحيد الخالص ، وهذا هو محض التجريد ، لأن الصوفي حينئذ قد تجرد عن ملاحظة سوى محبوبه أو آثاره أو معاملته أو خوفه أو رجائه . وهذا هو تجريد توحيد الألوهية ، أما صاحب تجريد توحيد الربوبية فهو في قيد التجريد عن ملاحظة فاعل غير اللّه ، وهو مجرد عن ملاحظة وجوده هو ، وهذا فرق بين تجريد توحيد الألوهية وتجريد توحيد الربوبية .
[ ما الفرق بين تجريد توحيد الألوهية وتجريد توحيد الربوبية ]
فالأول تجريد عن ملاحظة سوى مراضى اللّه ومراداته ومحبوبه وأوامره .
أما الثاني : فهو تجريد عن ملاحظة سوى الفاعل الحق ؛ وهو اللّه .
وتجريد توحيد الألوهية هو الذي سمت إليه همم السالكين ، فمن تجرد عن ماله وحاله وكسبه وعمله ثم تجرد عن شهود تجريده فهو المجرد عند القوم ، وهذا هو التجريد الذي عليه يحومون وإياه يقصدون ، ونهايته عندهم ؛ التجريد بفناء وجوده وبقائه بموجوده ، بحيث يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل .
ويشير ابن القيم إلى أنه وراء هذا التجريد الذي أشار إليه الهروي تجريد آخر أكمل منه وأتم منه ، ونسبته إليه كتفلة في بحر وشعرة في ظهر بعير ، وهو تجريد الحب والإرادة عن الشوائب والعلل