في توحيده سبحانه ، وإشارة إلى مقامهم تحت سلطان الوحدانية والصمدانية والفردانية ، وهو مشتق من الفرد ، والفرد - على الحقيقة - ليس إلا اللّه ذاتا وصفات .
أما في اصطلاح القوم فقد عرفه ابن عربى : « بأنه وقوفك بالحق معك » 3 .
وعند السهروردي : هو ألا يرى الصوفي نفسه فيما يأتي به ، بل يرى منّة اللّه سبحانه وتعالى عليه في فعله وفي تركه ، وهذا يعنى أن الصوفي لا يرى لنفسه أثرا في فعله وفي تركه ، بل يرى انفراد الحق بالخلق والترك 4 : وتظهر العلاقة واضحة بين منزلة التجريد ومنزلة التفريد بين منازل السائرين ، فالتجريد يعنى نفى الأغيار ، والتفريد يعنى نفى ملاحظة النفس ، واستغراق الصوفي في رؤيته لنعمة اللّه عليه ، وغيبته عن كسبه وأثره في الفعل أو الترك برؤيته للفردانية الإلهية 5 .
ويقول الكلاباذي عن التجريد والتفريد : إن التجريد هو أن يتجرد الصوفي بظاهره عن الأعراض وبباطنه عن الأعواض ، وهو ألا يأخذ من عرض الدنيا شيئا ، ولا يطلب على ما ترك منها عوضا من عاجل ولا آجل ؛ بل يفعل ذلك لوجوب حق اللّه تعالى لا لعلة غيره ولا لسبب سواه ، ويتجرد بسره عن ملاحظة المقامات التي يحلها والأحوال التي ينازلها والتفريد أن يتفرد عن الأشكال وينفرد في الأحوال ويتوحد في الأفعال ، وهو أن تكون أفعاله للّه وحده ، فلا يكون فيها رؤية نفس ولا مراعاة خلق ، ولا مطالعة عوض ، ويتفرد في الأحوال عن الأحوال ، فلا يرى لنفسه حالا ، بل يغيب برؤية محوّلها عنها ، ويتفرد عن الأشكال فلا يأنس بها ولا يستوحش منها ، وقيل : التجريد ألا يملك والتفريد ألا يملك ، ثم أنشد قول عمرو بن عثمان المكي في معنى التجريد والتفريد :
تفرد باللّه الفريد فريد * فظل وحيدا والمشوق وحيد
وذاك لأن المفردين رأيتهم * على طبقات والدنو بعيد
فمن مفرد يسمو بهمة قلبه * عن الملك جمعا فهو عنه يحيد
وأدمن سيرا في السمو توحدا * وكل وحيد بالبلاء فريد
وآخر يسمو في العلو تفردا * عن النفس وجدا فهي منه تبيد
وآخر مفكوك من الأسر بالفنا * فأصبح خلوا واجتباه ودود
فالذي أدمن سيرا في السمو متوحدا بالبلاء ، لأنه لا سبيل له إلى ما يطلب ،