الذين يكفرون بآيات اللّه ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس - وهم الورثة ، فشرك بينهم في البلاء ، كما شرك بينهم في الدعوة إلى اللّه .
فكان شيخنا أبو مدين رضى اللّه عنه كثيرا ما يقول : « من علامات صدق المريد في إرادته فراره عن الخلق » .
وهذه حالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في خروجه وانقطاعه عن الناس في غار حراء للتحنث .
ثم يقول : « من علامات صدق فراره عن الخلق وجوده للحق ، فما زال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يتحنث في انقطاعه حتى فجأه الحق » .
ثم قال : « ومن علامات صدق وجوده للحق رجوعه إلى الخلق » يريد حالة بعثه صلّى اللّه عليه وسلم بالرسالة إلى الناس ، ويعنى في حق الورثة بالإرشاد وحفظ الشريعة عليهم » .
فأراد الشيخ بهذا صفة الكمال في الورث النبوي ، فإن للّه عبادا إذا فجأهم الحق أخذهم إليه ولم يردهم إلى العالم ، وشغلهم به .
وقد وقع هذا كثيرا ، ولكن كمال الورث النبوي الرسالي في الرجوع إلى الخلق .
فإن اعترضك هنا قول أبى سليمان الدارانى : « لو وصلوا ما رجعوا » إنما ذلك فيمن رجع إلى شهواته الطبيعية ولذاته ، وما تاب منه إلى اللّه .
وأما الرجوع إلى اللّه تعالى بالإرشاد ، فلا ، يقول : لو لاح لهم بارقة من الحقيقة ما رجعوا إلى ما تابوا إلى اللّه منه ، ولو رأوا وجه الحق فيه ، فإن موطن التكليف والأدب يمنعهم من ذلك .
وأما قول الآخر - من أكابر الرجال لما قيل له : فلان يزعم أنه وصل ، فقال :
إلى سقر ، فإنه يريد أنه من زعم أن اللّه محدود يوصل إليه ، وهو القائل - وهو معكم أينما كنتم - أو ثم أمر إذا وصل إليه سقطت عنه الأعمال المشروعة ، وأنه غير مخاطب بها مع وجود عقل التكليف عنده وأن ذلك الوصول أعطاه ذلك ، فهو هذا
من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 171
مساهمون: عبد الرحمن حسن محمود
ص١٧١