تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
وقد قال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :
( وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ )
« 1 » . و
( قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ )
« 2 » وأما قوله في هذا الذكر - لا تدرى لعل اللّه يحدث بعد ذلك أمرا - وذلك لأنا ما عرفنا من القوى الموجودة في الإنسان إلا قدر ما أوجد فيه ، وربما في علم اللّه عنده ، أو في الإمكان قوى لم يوجدها اللّه تعالى فينا اليوم ، حتى لو قيل للفرس عن القوة التي تميز بها الإنسان عنه أنكرها . وفي طريق اللّه ما يقوله أهل الطريق « 3 » في إثبات المقام الذي فوق طور العقل ، وهي قوة يوجدها اللّه في بعض عباده ، من رسول ، ونبي ، وولى تعطى خلاف ما أعطته قوة العقل ، حتى إن بعض العقلاء « 4 » أنكر ذلك ، والشرع أثبته ونحن نعلم أن في النشأة الآخرة قوى لا تكون في النشأة الدنيا ، ولا يحكم بها عقل هنا ، ولا تنال إلا بالذوق عند من أوجد اللّه فيه ، وتحصّل لبعض الناس هنا - فلا تعلم نفس لها فيها من قرة أعين ، وفي الجنة « ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، فخرج عن طور العقل بتعيين أمر مّا ، وخرج عن طور العقل بالإمكان ، إذ لا حكم للعقل فيما يعنيه اللّه من الأمور ، إلّا الإمكان خاصة أو ما تتحير فيه ، فلهذا جاءت كلمة « لعل » وهي كلمة ترج ، وكل ترج إلهي فهو واقع ، فلا بد منه . فهذا هو الأمر الذي يحدّ ربه في النشأة . وأما في الأحكام ، فمعلوم في العلم الرسمي إلى يوم القيامة ، فإن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لما قرر حكم المجتهد « 5 » لا يزال حكم الشرع ينزل من اللّه على قلوب المجتهدين إلى انقضاء الدنيا ، فقد يحكم اليوم مجتهد في أمر لم يتقدم فيه ذلك الحكم ، واقتضاه له دليل هذا المجتهد من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس جلى .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآية 35 . ( 2 ) سورة هود : الآية 46 وهذه الآية قيلت لسيدنا نوح عليه السلام . ( 3 ) وهم الصوفية رضى اللّه عنهم وعنا بهم . ( 4 ) وهم الفلاسفة ، وهو رد واضح عليهم . ( 5 ) وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من اجتهد فأصاب فله أجران ، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر » رواه .
من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 166 | عبد الرحمن حسن محمود / سعد حسن