وإنما أضيفت إلى اللّه لأن العلم بها إنما حصل لنا من جانب اللّه ، حيث أعطانا من القوة - التي هي قوة العقل والنظر - ما نصل به إلى العلم بهذه الحدود ، لأن الأمور التي نحدها ما هي بأمر زائد على ما ظهر في المظاهر المعقولة والمحسوسة ، وما ظهر إلّا الحق ، وذلك الظاهر في العقل أو الحس هو الذي نحدّه ، وليس إلّا اللّه « 1 » ، فهي حدود اللّه .
وقد تشترك المحدودات في أمور ، وتتميز بأمور .
فما تميزت به من الفصول ، فهو حدها المميز لها عن الذي شاركها ، وما وقع به الاشتراك والتميز : كله حد لها .
فمن تعدى هذه الحدود ، فقد ظلم نفسه بظل يسمى : جهلا وقلبا للحقائق .
وقلب الحقائق : إما أن يقلبها عينها كلها ، وإما أن يقلبها من حيث فصولها المقومة لها .
وكيفما كان ، فقد تعدى حدود اللّه ، وجهل فحدّ الخالق بما هو حدّ للمخلوق « 2 » ، فقلب الأمر في عينه .
وقد حدّ الإنسان بالفصل المقوّم للفرس « 3 » . فقد غلط وجهل بعضا ، وعلم بعضا .
فأولئك هم الجاهلون حقا ، كما هو في تعدى الأحكام ، أو ما جاء به الشارع ، إذا آمن ببعض وكفر ببعض هو الكافر حقا ، وغلّب الكفر على الإيمان فإن ذهاب الفصل المقوم من المحدود : عين ذهاب ماله من نصيب الاشتراك ، فإن حيوانية الإنسان : ما هي عين حيوانية الفرس ، بالنظر إلى شخصية ذلك المحدود ، فلهذا يذهب الكل لذهاب البعض « 4 » .
هامش
( 1 ) في العبارة تقديم وتأخير تقديره : « وليس الظاهر إلا اللّه في العقل أو الحسّ الذي نحده » . فافهم .
( 2 ) راجع هذه الجملة جيدا ، وارجع إلى ما تقوله عليه الكذابون من أنه لا يفرق بين الخالق والمخلوق .
( 3 ) وهو التربية والتدريب وكبح الجماح وما إلى ذلك من أمور .
( 4 ) الآية التي رمز لها الشيخ رحمه اللّه تعالى هي قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا )( النساء : 150 ، 151 ) .