تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
فكل ما لا يمكن الاستقلال به ، فإن العامل له لا بد أن يطلب العون والمعين على ذلك ، فافهم فإنه من هنا تعرف رتبة ما لا يمكن وجوده للموجد له إلا بمساعدة أمر آخر ، ما هو عين الموجد ، فذلك الأمر الآخر معين له على إظهار ذلك الأمر ، وهنا يظهر معنى قوله
حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
« 1 » إذا أراد الحق أيضا إلى أذن السامع بالأصوات والحروف ، أو الإيماء والإشارة « 2 » فلا بد من الواسطة ، إذ يستحيل عليه تعالى قيام الحوادث به ، فافهم ، وعلى اللّه قصد السبيل . وفي هذا المنزل من العلوم : علم ما يقتصر إليه ، ولا يتصل به . وفيه : علم بيان الجمع : أنه عين الفرق . وفيه : علم الفرق بين علم الخيال وعلم النظر العقلي ، وعلم النظر الكشفي ، وهو الذي يحصل بإدراك الحواسّ . وفيه : علم تنبيه الغافل بما ذا ينبه ، ومراتب التنبيه . وفيه : علم شرف العلم على شرف الرؤية ، فقد يرى الشخص شيئا ولا يدرى ما هو ، فيقصه على غير فيعلمه ذلك الغير ما هو وإن لم يره ، فالعلم أتم من الرؤية ، لأن الرؤية طريق من طريق العلم ، يتوصل بالسلوك فيه من هو عليه إلى أمر خاص . وفيه : علم ظهور الباطل في صورة الحق ، وهما على النقيض ، ومن المحال أن يظهر أمر في صورة أمر آخر من غير تناسب ، فهو مثله في النسبة ، لا مثله في العين ، وهذا هو في صناعة النحو : فعل المقاربة : يقولون في ذلك : كاد النعام يطير ، وكاد العروس يكون أميرا ، والحق تعالى يظهر في عين الرائي السراب ماء ، وليس بماء ، وهو عنده إذا جاء إليه الظمآن ، وكذلك المعطش إلى العلم باللّه يأخذ النظر في العلم به ، فيفيده تقييد تنزيه أو تسبيه ، فإذا كشف الغطاء وهو حال وصول الظمآن إلى السراب - لم يجده - لما قيده فأنكره - ووجد اللّه عنده - غير مقيد بذلك التقييد الخاص ، بل له الإطلاق في التقييد - فوفاه حسابه - أي تقديره . فكأنه أراد
هامش
( 1 ) سورة التوبة : الآية 6 . ( 2 ) إذا كان السامع أخرس .
من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 155 | عبد الرحمن حسن محمود / سعد حسن