الكلام - لأنها ما عقلت كلاما إلا أصواتا وحروفا ، والباري . منزه عن قيام الصوت بذاته ، وسمى نفسه متكلما ، فلا بد عندهم - من إثبات الكلام له ، فقالوا « هو متكلم » من حيث أنه فعل الكلام ، وهنا ينفصلون عن المتصوفة بشئ آخر ، وهو أن الإنسان - عندهم - قادر على فعل كلامه ، فلا يقولون : الباري متكلم لأنه فعل كلامنا ، وهو ما فعل شيئا لاستحالة مقدور بين قادرين فإنما يفعله سبحانه الكلام في شئ يستحيل عليه الكلام ، مثل الجماد ، فهو متكلم - عندهم - من حيث أنه خلق الكلام في جماد ، والإنسان خلاف ذلك ، إذ الإنسان قادر على فعل كلامه ، والجماد ليس كذلك » .
قال العبد : ثم نرجع فنقول : وقد يتوسع في العبارة ، ويسمى كلام اللّه ما دل على كلامه سبحانه ، أنه كقوله تعالى - فأجره حتى يسمع كلام اللّه - وإنما سمع أصواتا وحروفا من النبي صلّى اللّه عليه وسلم : فحصل بذلك الشرف العظيم لنطق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - وما ينطق عن الهوى - فالكلام الذي صدر من النبي صلّى اللّه عليه وسلم ووقع في سمع الأعرابي كلام القديم القائم بذاته الذي هو صفته ، ألا ترى إذا تكلم معك إنسان وحصل لك معنى ما تكلم به ، فأردت أن تذره لشخص آخر وربما يكون معه أعجمي ، والشخص الذي تخبره به عربيا فتعبر عن كلام الأعجمى بألفاظ عربية يتوصل السامع بها إلى معرفة كلام الأعجمى .
فالكلام الذي هو الأصوات - في الحين - كلامك .
والكلام الذي هو المعنى المفهوم من ألفاظك ، كلام من جلّيت عنه .
فالكلام على الحقيقة هو كلام النفس ، والألفاظ ، والرقوم والرموز ، والإشارات ، دلائله ، وليست هي بكلام ، إلا إن اصطلح عليها ، فذلك مباح .
قال العبد : فمن سمع قال لي الحق ، وقلت له ، أو يقول العبد : الحمد للّه رب العالمين فيقول اللّه « حمدني عبدي » وتوهم أن الحق يصمت ما دام العبد يقول :
الحمد للّه رب العالمين ثم يراجعه فليس عنده حقيقة بكلام اللّه تعالى .
ومن توهم أيضا أن ما بين الدفتين ، المحفوظ في الصدور ، المقروء بالألسنة :
أنه ليس كلام اللّه ، فهو عن سنن الهداية حائد ، ولطريق العماية قاصد .
من ائمة الموحدين الإمام محيي الدين بن عربي — صفحة 108
مساهمون: عبد الرحمن حسن محمود
ص١٠٨