دليل إبطال القياس لعلة جامعة :
قال تعالى
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ
وقال
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ .
وصف اللّه القتلى في سبيل اللّه بأنهم أحياء يرزقون ، ونهى أن يقال فيهم أموات ، ونفى العلم عمن يلحقهم بالأموات ، للمشاركة في صورة مفارقة الإحساس ، وعدم وجود الأنفاس ، وهذا من أدل دليل على إبطال القياس ، لأن المعتقدين موت المجاهدين المقتولين في سبيل اللّه ، إنما اعتقدوه قياسا على المقتول في غير سبيل اللّه ، بالعلة الجامعة ، في كونهم رأوا كل واحد من المقتولين على صورة واحدة ، من عدم الأنفاس والحركات الحيوانية ، وعدم الامتناع مما يراد من الفعل بهم ، من قطع الأعضاء وتمزيق الجلود وأكل سباع الطير والسباع ، واستحالة أجسامهم إلى الدود والبلى ، فقاسوا فأخطأوا القياس ، ولا قياس أوضح من هذا ، ولا أدل في وجود العلة منه ، ومع هذا أكذبهم اللّه وقال لهم ما هو الأمر في المقتول في سبيلي كالمقتول في غير سبيلي ، فقال
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً
فقال لهم : إن ذلك الحكم الذي حكمتم عليّ ليس بعلم ، وإذا لم يكن علما لم يكن صحيحا ، وإذا لم يصح لم يجز الحكم به ، مع علمنا بإخبار اللّه أن ذلك ليس بصحيح ، ثم قال
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ
فنفى عنهم العلم الذي أعطاهم القياس ، فإذا كان حكم هذا القياس على وضوحه وعدم الريب فيه ، وتوفر أسبابه وظهور علله الجامعة بينه وبين غيره من القتلى ، وهو باطل بإخبار اللّه ، فما ظنك بقياس الفقهاء في النوازل ، وقياس العقلاء بحكم الشاهد على الغائب ؟ . ( ف ح 2 / 146 )
التواتر لا يعتبر نصا في الحكم :
التواتر عزيز ، وإذا عثر الفقهاء على أمور تفيد العلم بطريق التواتر ، لم يكن ذلك اللفظ المنقول بالتواتر نصا فيما حكموا به ، فإن النصوص عزيزة ، فهم يأخذون من ذلك اللفظ بقدر قوة فهمهم فيه ، ولهذا اختلفوا ، فهم لا يعرفون بأي وجه من وجوه