يصح عند المجتهد أن يكون ذلك دليلا ، والمخطىء في الشرع واحد لا بعينه ، فلابد من الأخذ بقوله ، ومن قوله إثبات القياس ، فقد أمر الشارع بالأخذ به ، وإن كان خطأ في نفس الأمر فقد تعبده به ، فإن للشارع أن يتعبد بما شاء عباده ، وهذه طريقة انفردنا بها في علمنا ، مع أنا لا نقول بالقياس بالنظر إلينا ، ونقول به بالنظر لمن أداه إليه اجتهاده ، لكون الشارع أثبته ، فلو أنصف المخالف لسكت عن النزاع في هذه المسئلة ، فإنها أوضح من أن ينازع فيها ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . ( ف ح 2 / 162 )
المتفقه في الدين لا يحتاج إلى قياس :
الفقه في الدين هو استخراج الحكم في مسئلة ، من نص ورد في الكتاب أو في السنة ، يدخل الحكم في هذه المسئلة في مجمل ذلك الكلام ، وهو الفقه في الدين ، ولا يحتاج إلى قياس في ذلك - مثال ذلك - رجل ضرب أباه بعصا أو بما كان ، فقال أهل القياس : لا نص عندنا في هذه المسئلة ، ولكن لما قال تعالى
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما
قلنا : فإذا ورد النهي عن التأفف وهو قليل ، فالضرب بالعصا أشد ، فكان تنبيها من الشارع بالأدنى على الأعلى ، فلابد من القياس عليه ، فإن التأفيف والضرب بالعصا يجمعهما الأذى ، فقسنا الضرب بالعصا المسكوت عنه على التأفيف المنطوق به ، وقلنا نحن : ليس لنا التحكم على الشارع في شيء مما يجوز أن يكلف به ولا التحكم ، ولا سيما في مثل هذا ، لو لم يرد في نطق الشرع غير هذا ، لم يلزمنا هذا القياس ولا قلنا به ولا ألحقناه بالتأفف ، وإنما حكمنا بما ورد وهو قوله تعالى
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
فأجمل الخطاب ، فاستخرجنا من هذا المجمل الحكم في كل ما ليس بإحسان ، والضرب بالعصا ما هو من الإحسان المأمور به من الشرع في معاملتنا لآبائنا ، فما حكمنا إلا بالنص وما احتجنا إلى قياس ، فإن الدين قد كمل ، ولا تجوز الزيادة فيه كما لم يجز النقص منه ، فمن ضرب أباه بالعصا فما أحسن إليه ، ومن لم يحسن لأبيه فقد عصى ما أمره اللّه به أن يعامل به أبويه ، ومن رد كلام أبويه وفعل ما لا يرضي أبويه مما هو مباح له تركه فقد عقهما ، وقد ثبت أن عقوق الوالدين من الكبائر . ( ف ح 1 / 371 )