والأصل في العبادات كلها أنها من اللّه ابتداء لا مقصودة للمكلفين ، إلا ما شذ من ذلك كآية الحجاب وغيرها في حق عمر بن الخطاب . والقربات إلى اللّه لا تعلم إلا من عند اللّه ليس للعقل فيها حكم بوجه من الوجوه ، فإذا شرع الشارع القربات فهي على حد ما شرع ، وما منع من ذلك أن يكون قربة فليس للعقل أن يجعلها قربة .
واعلم أن اللّه تعالى حد حدودا لعباده ، عقلية وشرعية ، معللة وغير معللة ، فما عقلت علته منها سميناه عقلية ، وما لم تعقل علته ، سميناه تعبدا وعبادة شرعية . فكل عمل لا يظهر له الشارع تعليلا من جهته فهو تعبد ، وتكون العبادة في كل عمل غير معلل أظهر منها في العمل المعلل ، فإن العمل إذا علل ربما أقامت العبد إليه حكمة تلك العلة ، وإذا لم يعلل لا يقيمه إلى ذلك العمل إلا العبادة المحضة . ومذهبنا في جميع العبادات كلها أنها تعبد ، مع عقلنا بعلل بعضها من جهة الشرع بحكم التعريف ، أو بحكم الاستنباط عند أصحاب القياس ، ومع هذا كله فلا نخرجها عن أنها تعبد من اللّه ، إذ كانت العلل غير مؤثرة في إيجاد الحكم ، مع وجود العلة وكونها مقصودة ، وهذا أقوى في تنزيه الجناب الإلهي .
( ف ح 2 / 373 - ح 1 / 411 ، 452 - ح 4 / 267 - ح 3 / 539 - ح 1 / 685 )
تغير الأحكام بتغير الأسماء والأحوال والألفاظ :
لما تحلل الجامد تغيرت الصور ، فتغير الاسم فتغير الحكم ، ولما تجمد المائع تغيرت الصورة ، فتغير الاسم فتغير الحكم ، فنزلت الشرائع تخاطب الأعيان بما هي عليه من الصور والأحوال والأسماء ، فالعين لا خطاب عليه من ذاته ، ولا حكم عليه من حقيقته ، ولهذا كان له المباح من الأحكام المشروعة ، وفعل الواجب والمندوب والمحظور والمكروه من الملمات الغريبة في وجوده ، وذلك مما قرن به من الأرواح الطاهرة الملكية وغير الطاهرة الشيطانية .
ففي أحكام الشرائع تغير الأحكام ، تبعا لتغير الأحوال والأسماء ، والعين واحدة ، فمن اختلاف الأسماء : سمك البحر حلال ، فإذا قلت في سمكة منها : خنزير البحر حرمت ، هذا حكم الاسم . قيل لمالك بن أنس من أئمة الدين : ما تقول في خنزير البحر من بعض السمك ؟ فقال : هو حرام ، فقيل له : فسمك البحر ودوابه وميتته حلال ، فقال : أنتم