في الحرام ما نهانا عنه ، فإذا ما هو الحرام رزق اللّه ، وإنما هو رزق ، ورزق اللّه هو الحلال ، وهو بقية اللّه التي أبقاها لنا بعد وقوع التحجير وتحريم بعض الأرزاق علينا ، ولتعلم من جهة الحقيقة أن الخطاب ليس متعلقه إلا فعل المكلف ، لا عين الشيء الممنوع التصرف فيه ، فالكل رزق اللّه ، والمتناول هو المحجور عليه لا المتناول بفتح الواو ، فإن الرزاق لا يعطيك إلا رزقك ، وما يعطي الرزاق لا يطعن فيه ، فلهذا علق الذم بفعل المكلف ، لا بالعين التي حجر عليه تناولها ، فإن المالك لها لم يحجر عليه تناولها ، والحرام لا يملك ، وهذه مسألة طال الخبط فيها بين علماء الرسوم ، وأما قوله
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً
من العامل في الحال ، فظاهر الشرع يعطي أن العامل « رزقكم » فإن من هنا في قوله
مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
للتبيين لا للتبعيض ، فإنه لا فائدة للتبعيض ، فإن التبعيض محقق مدرك ببديهة العقل ، لأنه ليس في الوسع العادي أكل الرزق كله ، وإذا كانت لتبيين وهي متعلقة ب « كلوا » فبين أن رزق اللّه هو الحلال الطيب ، فإن أكل ما حرم عليه فما أكل رزق اللّه ، فتدبر وانظر ما به حياتك ، فذلك رزقك ولابد ، ولا يصح فيه تحجير ، وسواء كان في ملك الغير أو لم يكن ، فإن المضطر لا حجر عليه ، وما عدا المضطر فما تناول الرزق لبقاء الحياة عليه ، وإنما تناوله للنعيم به ، وليس الرزق إلا ما تبقى به حياته عليه ، فإن اللّه يقول
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
بعد التحجير ، وقال
إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ
وذلك هو الرزق الذي نحن بصدده ، وهو الذي يعطيه الرزاق .
( ف ح 2 / 463 - إيجاز البيان / سورة البقرة - آية 172 - ف ح 2 / 463 )
فليس مسمى رزق اللّه في حق المؤمن إلا بقية اللّه ، وكل رزق في الكون من بقية اللّه ، وما بقي إلا أن يفرق بينهما ، وذلك أن جميع ما في العالم من الأموال لا يخلو إما أن يكون لها مالك معين ، أو لا يكون لها مالك ، فإن كان لها مالك معين فهي بقية اللّه لهذا الشخص ، وإن لم يكن لها مالك معين فهي لجميع المسلمين ، فما تصرف أحد من المكلفين بالوجه المشروع إلا في بقية اللّه ، قال اللّه عز وجل
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
وهو حكم فرعي ، وإنما الأصل أن اللّه خلق لنا ما في الأرض جميعا ثم حجر وأبقى ، فما أبقاه سماه بقية اللّه ، وما حجر سماه حراما ، أي المكلف ممنوع من التصرف فيه حالا أو زمانا أو مكانا مع