تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
قبل البلوغ كتب اللّه له تلك الحجة عن فريضته ، ولنا في ذلك خبر نبوي في الصبي قبل البلوغ والعبد ، فللصبي الرضيع الإسلام العام الذي اعتبره الشرع ، رفعت امرأة صبيا لها صغيرا ، فقالت : يا رسول اللّه ألهذا حج ؟ قال : نعم ولك أجر ؛ فنسب الحج لمن لا قصد له فيه ، فأثبت الشرع له الحج ، وليس العجب إلا أن الحج يثبت بالنيابة ، فهو بالمباشرة في حق الطفل أثبت على كل حال ، والإسلام في حق الصبي الصغير الرضيع بالأصالة والتبع معا ، فهو ثابت في الصغير بطريقين ، وفي الكبير بطريق واحد وهو الأصالة لا التبع ، فالإيمان أثبت في حق الرضيع ، فإنه ولد على فطرة الإيمان ، وهو إقراره بالربوبية للّه تعالى على خلقه ، حين الأخذ من الظهر الذرية والإشهاد ، فهو مؤمن بالأصالة ، ثم حكم له بإيمان أبيه في أمور ظاهرة ، فقال
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ
يعني إيمان الفطرة
أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
فورثوهم ، وصلّي عليهم إن ماتوا ، وأقيمت فيهم أحكام الإسلام كلها ، مع كونهم على حال لا يعقلون جملة واحدة ، فالرضيع أتم إيمانا من الكبير بلا شك ، فإنه على حال لم يخرجه في فعل من أفعاله عن الإقرار الأول كما طرأ على الكبير العاقل ، فحجه أتم من حج الكبير ، فإنه حج بالفطرة ، وباشر الأفعال بنفسه مع كونه مفعولا به فيها ، والطفل مباشر ولا شك ، وغير عاقل العقل المعتبر في الكبير بلا شك ، وغير متلفظ بالإسلام ولا معتقد له ولا عالم به بلا شك ، نريد الاعتقاد والعلم المعروف في العرف ، كل ذلك غير موجود في الصبي الرضيع ، وقد باشر العمل وهو معمول به ، وأضاف الحج إليه الشارع ، والصبي مستطيع في هذه الحالة بالاستعداد الذي هو عليه ، أن يكون معمولا به أعمال الحج ، فهو محل للعمل ، لأنه وقف به في عرفة ، فوقف كما يقف الراكب بدابته وينسب الوقوف إليه ، ويطوف على راحلته ، ويسعى بين الصفا والمروة ، والراحلة هي التي تسعى وتطوف وتقف ، وينسب ذلك كله إليه بحكم المباشرة ، وأنه باشر أفعال الحج بنفسه ، فكذلك الصغير الرضيع يطاف به ويسعى به ، فهو مباشر أفعال الحج ويوقف به ، مستطيع بالوجه الذي ذكرناه من الاستعداد لقبول ما يفعل به ، كما استعد الكبير الراكب لقبول ما تفعل به راحلته ، من سكون وحركة ، وينسب العمل إليه لا إلى الراحلة . وقد ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أن الصبي إذا حج قبل بلوغ التكليف ، ثم مات قبل البلوغ ، كتب اللّه له ذلك