تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
قلنا فيه رائحة اشتراك ، فالأمر الصحيح في ذلك أنه مربوط بين حق وخلق ، غير مخلص لأحد الجانبين ، فإنه أعلى ما يكون من النسب الإلهية ، أن يكون الحق تعالى هو عين الوجود الذي استفادته الممكنات ، فما ثمّ إلا وجود عين الحق لا غيره ، والتغييرات الظاهرة في هذه العين أحكام أعيان الممكنات ، فلولا العين ما ظهر الحكم ، ولولا الممكن ما ظهر التغيير ، وهو أمر من يجعل أمر الخلق مع الحق ، كالقمر مع الشمس في النور الذي يظهر في القمر ، وليس في القمر نور من حيث ذاته ، ولا الشمس فيه ، ولا نورها ، ولكن البصر كذلك يدركه ، فالنور الذي في القمر ليس غير الشمس ، كذلك الوجود الذي للممكنات ليس غير وجود الحق « 1 » ، كالصورة في المرآة ، فما هو الشمس في القمر ، وما ذلك النور المنبسط ليلا من القمر على الأرض بمغيب نور الشمس غير نور الشمس ، وهو يضاف إلى القمر ، فلابد في الأفعال من حق وخلق ، وفي مذهب بعض العامة أن العبد محل ظهور أفعال اللّه وموضع جريانها ، فلا يشهدها الحس إلا من الأكوان ، ولا تشهدها بصيرتهم إلا من اللّه من وراء حجاب هذا الذي ظهرت على يديه ، المريد لها المختار فيها ، فهو لها مكتسب باختياره ، وهذا مذهب الأشاعرة ، ومذهب بعض العامة أيضا أن الفعل للعبد حقيقة ، ومع هذا فربط الفعل عندهم بين الحق والخلق لا يزول ، فإن هؤلاء أيضا يقولون : إن القدرة الحادثة في العبد التي يكون بها هذا الفعل من الفاعل ، أن اللّه خلق له القدرة عليها ، فما يخلص الفعل للعبد إلا بما خلق اللّه فيه من القدرة عليه ، فما زال الاشتراك ، وهذا مذهب أهل الاعتزال ، فهؤلاء ثلاثة أصناف : أصحابنا والأشاعرة والمعتزلة ، ما زال منهم وقوع الاشتراك ، وما ثمّ عقل يدل على خلاف هذا ، ولا خبر إلهي في شريعة تخلص الفعل من جميع الجهات إلى أحد الجانبين ، فلنقره كما أقره اللّه على علم اللّه فيه ، وما ثمّ إلا كشف وشرع وعقل ، وهذه الثلاثة ما خلصت شيئا ، ولا يخلص أبدا دنيا ولا آخرة ( ف ح 3 / 211 ، 212 ) أما التوحيد المؤثر في إزالة حكم الشريعة ، كمن ينسب الأفعال كلها إلى اللّه من جميع الوجوه ، فلا يبالي فيما ظهر عليه من مخالفة أو موافقة ، فمثل هذا التوحيد يجب التنزيه منه
هامش
( 1 ) تنبه للفرق بين الوجود وهو الصفة ، وبين الموجود وهو عين الممكنات .