تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥

آداب الشريعة :

اعلم أيدك اللّه ، أن أدب الشريعة هو الأدب الإلهي ، الذي يتولى اللّه تعليمه بالوحي والإلهام ، به أدب نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وبه أدبنا نبيه صلى اللّه عليه وسلم : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن اللّه أدبني فأحسن أدبي . وتعليم اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم الآداب مع المراتب ، يعني أنا أيضا مرادون بذلك التعليم ، وننظره في النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كالمثل السائر « إياك أعني فاسمعي يا جارة » وإن كان هو صلى اللّه عليه وسلم المقصود للّه بالأدب ، فنحن أيضا المقصودون للّه بالتأسي به والاقتداء
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
فكل خطاب خاطب به نبيه صلى اللّه عليه وسلم مؤدبا له ، فلنا في ذلك الخطاب اشتراك لابد من ذلك . فأدب اللّه الأمة بتأديب رسولها ، لتبلغ باستعمال ذلك الأدب إلى تحصيل سؤلها ، فيخاطب الرسول والمراد من أرسل إليه ، فابحث عليه . وقد شرع لنا اللّه كيفية الأدب في معاملتنا إياه ، فيما يختص به دون معاملة خلقه ، وهو خصوص في أدب الشريعة ، لأن حكم الشريعة يتعلق بما هو حق للّه وبما هو حق للخلق . فالأدب الإلهي هو ما شرعه لعباده في رسله وعلى ألسنتهم ، فالشرائع آداب اللّه التي نصبها لعباده ، فمن وفّى بحق شرعه فقد تأدب بأدب الحق . ( ف ح 2 / 284 - ح 4 / 171 ، 391 - ح 2 / 284 - ح 4 / 58 ) واعلم أن مقام أدب الشريعة ، أن تقوم بأمرها خاصة ، لا بما تعطيك ذاتها ، إلا إن أمرتك بذلك ، فيكون قيامك بما تعطيك ذاتها من حيث أمرها لا غير ، قال تعالى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
وقال تعالى
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
واعلم أن كل خدمة عن أمر فمن أدب الشريعة . كما أن من أدبها ، أخذك لأحكامها المشروعة والوقوف عند رسومها وحدودها ، واتصافك بها لمجرد الخدمة والاشتغال ، لا لتحلية النفس بالعلم بها دون العمل ، وما بعث اللّه تعالى نبيه إلا ليتمم مكارم الأخلاق ، فأحواله كلها مكارم أخلاق ، فهو مبين لها بالحال ، وهو أتم وأعدل وأمضى في الحكم من القول . ورب مكرمة عرفا لا تكون مكرمة شرعا ، فلا تجعل أستاذك إلا الحق المشروع ، فإذا أمرك فامتثل أمره ، وإذا نهاك فانته عما نهاك ، وإذا خيّرك فاعمل الأحب إليه والأرجح . فإن من مكارم الأخلاق في العبيد امتثال أوامر سيدهم في عباده ،