بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
حاجة النفس إلى العلم :
اعلم أن حاجة النفس إلى العلم أعظم من حاجة المزاج إلى القوت الذي يصلحه ، والعلم علمان : علم يحتاج منه مثل ما يحتاج من القوت ، فينبغي الاقتصاد فيه والاقتصار على قدر الحاجة ، وهو علم الأحكام الشرعية ، لا ينظر منها إلا قدر ما تمس الحاجة إليه في الوقت ، فإنّ تعلق حكمها إنما هو الأفعال الواقعة في الدنيا ، فلا تأخذ منها إلا قدر عملك ، والآخر هو ما لا حد له يوقف عنده ، وهو العلم المتعلق باللّه ومواطن القيامة ، فإنّ العلم بمواطن القيامة يؤدي العالم بها إلى الاستعداد لكل موطن بما يليق به ، لأن الحق بنفسه هو المطالب في ذلك اليوم بارتفاع الحجب ، وهو يوم الفصل ، فينبغي للإنسان العاقل أن يكون على بصيرة من أمره ، معدا للجواب عن نفسه ، وعن غيره في المواطن التي يعلم أنه يطلب منه الجواب فيها ، فالأولى بالعبد الذي كلفه اللّه تدبير نفسه وولاه ، أن يعلم ، فإذا علم استعمله علمه ، حتى يكون بحكم علمه ، ولا يستعمل هو العلم ، فإنه إن استعمل علمه كان علمه بحكمه ، فوقتا يعمل به ووقتا يتركه ، أي يترك العمل به ، وما عمل الترك إلا بالعلم ، وإذا كان العلم يستعمله ويصرفه ، ويكون هو معمولا مستعملا للعلم ، حكم عليه جبرا على الصواب ، فوفى الحقوق أربابها ، ومثل هذا الإمام في العالم قليل ، ولذلك نقول :
ليس السخي من تسخى بماله ، وإنما السخي من تسخى بنفسه على العلم ، فكان تحت سلطان علمه . واللّه أضاف الأعمال إلينا ، وعين لنا محالها وأمكنتها وأزمنتها وأحوالها ، وأمرنا بها وجوبا وندبا وتخييرا ، كما أنه نهانا عز وجل عن أعمال معينة ، عيّن لها محالها وأماكنها