يشوبها اختيار ، ألا تراه يقول تعالى : لو شاء كذا لكان كذا ، فما شاء فما كان ذلك ، فنفى عن نفسه تعلق هذه المشيئة ، فنفى الكون عن ذلك المذكور ، فالاختيار تعلق خاص للذات ، أثبته الممكن لإمكانه في القبول لأحد الأمرين على البدل ، ولولا معقولية هذين الأمرين ومعقولية القبول من الممكن ، ما ثبت للإرادة ولا للاختيار حكم ، فإنّ المشيئة الإلهية ما عندها إلا أمر واحد في الأشياء ، ولا تزال الأشياء على حكم واحد معين من الحكمين ، فمشيئة الحق في الأمور عين ما هي الأمور عليه ، فزال الحكم ، فإن المشيئة إن جعلتها خلاف عين الأمر ، فإما أن تتبع الأمر وهو محال ، وإما أن يتبعها الأمر وهو محال ، وبيان ذلك أن الأمر لنفسه كان ما كان ، فهو لا يقبل التبديل ، فهو غير مشاء بمشيئة ليست عينه ، فالمشيئة عينه ، فلا تابع ولا متبوع ، فتحفظ من الوهم ، فمحال على اللّه الاختيار في المشيئة ، لأنه محال عليه الجواز ، لأنه محال أن يكون للّه مرجّح يرجح له أمرا دون أمر ، فهو المرجّح لذاته ، فالمشيئة أحدية التعلق لا اختيار فيها ، فلهذا لا يعقل الممكن أبدا إلا مرجّحا ، ولذلك أقول بالحكم الإرادي ، لكني لا أقول بالاختيار ، فإن الخطاب بالاختيار الوارد ، إنما ورد من حيث النظر إلى الممكن معرى عن علته وسببيته . ( ف ح 4 / 201 - ح 3 / 356 ، 357 - ح 1 / 41 )
إطلاق لفظة الاختراع على الحق تعالى :
علم الحق بنفسه عين علمه بالعالم ، إذ لم يزل العالم مشهودا له تعالى وإن اتصف بالعدم ، ولم يكن العالم مشهودا لنفسه ، إذ لم يكن موجودا - وهذا بحر هلك فيه الناظرون الذين عدموا الكشف - وبنسبة لم تزل موجودة ، فعلمه لم يزل موجودا ، وعلمه بنفسه علمه بالعالم ، فعلمه بالعالم لم يزل موجودا ، فعلم العالم في حال عدمه ، وأوجده على صورته في علمه ، وهو سر القدر الذي خفي عن أكثر المحققين ، وعلى هذا لا يصح في العالم الاختراع ، ولكن يطلق عليه الاختراع بوجه ما ، لا من جهة ما تعطيه حقيقة الاختراع ، فإن ذلك يؤدي إلى نقص في الجناب الإلهي ، فالاختراع لا يصح إلا في حق العبد ، وذلك أن المخترع على الحقيقة لا يكون مخترعا ، إلا حتى يخترع مثال ما يريد إبرازه في الوجود في نفسه أولا ، ثم بعد ذلك تبرزه القوة العملية إلى الوجود الحسي ، على شكل ما يعلم له مثلا ، ومتى لم يخترع الشيء في نفسه أولا وإلا فليس بمخترع حقيقة ، فإنك إذا قدّرت أن شخصا علمك