والأخبار والآيات كثيرة منها صحيح وسقيم ، وما منها خبر إلا وله وجه من وجوه التنزيه ، وإن أردت أن يقرب ذلك عليك ، فاعمد إلى اللفظة التي توهم التشبيه وخذ فائدتها وروحها ، أي ما يكون عنها ، فاجعله في حق الحق تفز بدرجة التنزيه ، حين حاز غيرك درك التشبيه ، فهكذا فافعل وطهر ثوبك . ( ف ح 1 / 98 )
مسألة الاستواء على العرش :
قال تعالى
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
إليه يتوجهون ، وعليه يعولون ، وحوله يحومون ، وبه يطوفون ، وحيثما كانوا فإليه يشيرون ، فمتى حدث في الكون حادثة أو نزل بشيء منه نازلة ، رفعوا أيدي المسألة والتضرع إلى جهة عرشه يطلبون الشفا ، ويستعفون عن الخطأ ، لأن موجد هذا الكون لا جهة له يشار إليها ، ولا أينية له يقصدونها ، ولا كيفية له يعرفونها ، فلو لم يكن العرش جهة يتوجهون إليه للقيام بخدمته ولأداء طاعته ، لضلوا في طلبهم ، فهو سبحانه وتعالى إنما أوجد العرش إظهارا لقدرته ، لا محلا لذاته ، وأوجد الوجود لا لحاجة له به ، وإنما هو إظهار لأسمائه وصفاته ، فإن من أسمائه الغفور ومن صفاته المغفرة ، ومن أسمائه الرحيم ومن صفاته الرحمة ، ومن أسمائه الكريم ومن صفاته الكرم ، فاختلف الكون وتنوع ، ليظهر سر مغفرته للمذنب ، ورحمته للمحسن ، وفضله للطائع ، وعدله للعاصي ، ونعمته للمؤمن ، ونقمته على الكافر ، فهو مقدس في وجوده عن ملامسة ما أوجده ومجانبته ، ومواصلته ومفاصلته ، لأنه كان ولا كون ، وهو الآن كما كان لا يتصل بكون ، ولا ينفصل عن كون ، لأن الوصل والفصل من صفات الحدوث لا من صفات القدم ، لأن الاتصال والانفصال يلزم منه الانتقال والارتحال ، ويلزم من الانتقال والارتحال التحول والزوال ، والتغيير والاستبدال ، هذا كله من صفات النقص لا من صفات الكمال ، فسبحانه سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا ، فالعرش أوجده وجعل وجهة قلوب عباده إليه ، ومحل رفع الأيدي إليه ، لا محلا لذاته ، ولا مجانسا لصفاته ، لأن الرحمن تعالى اسمه ، الاستواء نعته وصفته ، ونعته وصفته متصلة بذاته ، والعرش خلق من خلقه ، لا متصل به ولا ملامس له ، ولا محمول عليه ولا مفتقر إليه ، فالعرش لا يسعه ولا يحمله ولا يدركه . ( كتاب شجرة الكون )