قبل وجودها « 1 » ، ثم أوجدها على حد ما علمها ، فلم يزل عالما بالأشياء ، لم يتجدد له علم عند تجدد الإنشاء ، بعلمه أتقن الأشياء وأحكمها ، وبه حكم عليها من شاء وحكمها ، علم الكليات على الإطلاق ، كما علم الجزئيات بإجماع من أهل النظر الصحيح واتفاق ، فهو عالم الغيب والشهادة فتعالى اللّه عما يشركون ،
فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ
، فهو المريد الكائنات ، في عالم الأرض والسماوات ، لم تتعلق قدرته بشيء حتى أراده ، كما أنه لم يرده حتى علمه ، إذ يستحيل في العقل أن يريد ما لا يعلم ، أو يفعل المختار - المتمكن من ترك ذلك الفعل - ما لا يريد ، كما يستحيل أن توجد نسب هذه الحقائق في غير حي ، كما يستحيل أن تقوم الصفات بغير ذات موصوفة بها ، فما في الوجود طاعة ولا عصيان ، ولا ربح ولا خسران ، ولا عبد ولا حر ، ولا برد ولا حر ، ولا حياة ولا موت ، ولا حصول ولا فوت ، ولا نهار ولا ليل ، ولا اعتدال ولا ميل ، ولا بر ولا بحر ، ولا شفع ولا وتر ، ولا جوهر ولا عرض ، ولا صحة ولا مرض ، ولا فرح ولا ترح ، ولا روح ولا شبح ، ولا ظلام ولا ضياء ، ولا أرض ولا سماء ، ولا تركيب ولا تحليل ، ولا كثير ولا قليل ، ولا غداة ولا أصيل ، ولا بياض ولا سواد ، ولا رقاد ولا سهاد ، ولا ظاهر ولا باطن ، ولا متحرك ولا ساكن ، ولا يابس ولا رطب ، ولا قشر ولا لب ، ولا شيء من هذه النسب المتضادات منها والمختلفات والمتماثلات ، إلا وهو مراد للحق تعالى ، وكيف لا يكون مرادا له وهو أوجده ؟ فكيف يوجد المختار ما لا يريد ؟ لا راد لأمره ولا معقب لحكمه ، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ويذل من يشاء ، ويضل من يشاء ويهدي من يشاء ، ما شاء كان وما لم يشأ أن يكون لم يكن ، لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئا لم يرد اللّه تعالى أن يريدوه ما أرادوه ، أو يفعلوا شيئا لم يرد اللّه تعالى إيجاده وأرادوه عندما أراد منهم أن يريدوه ما فعلوه ، ولا استطاعوا على ذلك ولا أقدرهم عليه ، فالكفر والإيمان ، والطاعة والعصيان ، من مشيئته وحكمه وإرادته ، ولم يزل سبحانه موصوفا بهذه الإرادة أزلا ، والعالم معدوم غير موجود ، وإن كان ثابتا في العلم في عينه ، ثم أوجد العالم من غير تفكر ولا تدبر عن جهل أو عدم علم ، فيعطيه التفكر والتدبر علم ما جهل ، جل وعلا عن ذلك ، بل أوجدته عن العلم السابق ، وتعيين الإرادة المنزهة
هامش
( 1 ) راجع مسألة العلم تابع للمعلوم .