تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
الأزلية ، القاضية على العالم بما أوجدته عليه ، من زمان ومكان ، وأكوان وألوان ، فلا مريد في الوجود على الحقيقة سواه ، إذ هو القائل سبحانه :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
وأنه سبحانه كما علم فأحكم ، وأراد فخصص وقدر فأوجد ، كذلك سمع ورأى ما تحرك أو سكن ، أو نطق في الورى من العالم الأسفل والأعلى ، لا يحجب سمعه البعد ، فهو القريب ، ولا يحجب بصره القرب ، فهو البعيد ، يسمع كلام النفس في النفس ، وصوت المماسة الخفية عند اللمس ، ويرى السواد في الظلماء ، والماء في الماء ، لا يحجبه الامتزاج ، ولا الظلمات ولا النور ، وهو السميع البصير ، تكلم سبحانه لا عن صمت متقدم ، ولا سكوت متوهم بكلام قديم أزلي ، كسائر صفاته من علمه وإرادته وقدرته ، كلم به موسى عليه السلام ، سماه التنزيل والزبور والتوراة والإنجيل ، من غير حروف ولا أصوات ، ولا نغم ولا لغات ، بل هو خالق الأصوات والحروف واللغات ، فكلامه سبحانه من غير لهاة ولا لسان ، كما أن سمعه من غير أصمخة ولا آذان ، كما أن بصره من غير حدقة ولا أجفان ، كما أن إرادته في غير قلب ولا جنان ، كما أن علمه من غير اضطرار ولا نظر في برهان ، كما أن حياته من غير بخار تجويف قلب حدث عن امتزاج الأركان ، كما أن ذاته لا تقبل الزيادة والنقصان ، فسبحانه سبحانه من بعيد دان ، عظيم السلطان ، عميم الإحسان ، جسيم الامتنان ، كل ما سواه فهو عن جوده فائض ، وفضله وعدله الباسط له والقابض ، أكمل صنع العالم وأبدعه ، حين أوجده واخترعه ، لا شريك له في ملكه ، ولا مدبر معه في ملكه ، إن أنعم فنعّم فذلك فضله ، وإن أبلى فعذّب فذلك عدله ، لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى الجور والحيف ، ولا يتوجه عليه لسواه حكم فيتصف بالجزع لذلك والخوف ، كل ما سواه تحت سلطان قهره ، ومتصرف عن إرادته وأمره ، فهو الملهم نفوس المكلفين التقوى والفجور ، وهو المتجاوز عن سيئات من شاء ، والآخذ بها من شاء ، هنا وفي يوم النشور ، لا يحكم عدله في فضله ، ولا فضله في عدله ، أخرج العالم قبضتين ، وأوجد لهم منزلتين ، فقال : هؤلاء للجنة ولا أبالي ، وهؤلاء للنار ولا أبالي ، ولم يعترض عليه معترض هناك ، إذ لا موجود كان ثمّ سواه ، فالكل تحت تصريف أسمائه ، فقبضة تحت أسماء بلائه ، وقبضة تحت أسماء آلائه ، ولو أراد سبحانه أن يكون العالم كله سعيدا لكان ، أو شقيا لما كان من ذلك في شان ، لكنه سبحانه لم يرد فكان كما أراد ، فمنهم الشقي
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 253 | محمود محمود الغراب