الجزء الثاني
العلم عند الشيخ الأكبر :
العلم أشرف نعت ناله بشر * وصاحب العلم محفوظ عليه مصون
( ف ح 1 / 729 ) .
تعريف العلم :
العلم ليس تصور المعلوم ، ولا هو المعنى الذي يتصور المعلوم ، فإنه ما كل معلوم يتصوّر ، ولا كل عالم يتصوّر ، فإن التصور للعالم إنما هو من كونه متخيّلا ، والصورة للمعلوم أن تكون على حالة يمسكها الخيال ، وثم معلومات لا يمسكها خيال أصلا ، فثبت أنها لا صورة لها ، فنحن لا نقول : - إن العلم تصور المعلوم ، على ما قاله صاحب النظر ، وإنما العلم درك ذات المطلوب ، على ما هي عليه في نفسه ، وجودا كان أو عدما ، ونفيا أو إثباتا ، وإحالة أو جوازا أو وجوبا ، ليس غير ذلك . ( ف ج 1 / 42 - ج 4 / 315 ) .
والعلم هو الصفة التي توجب التحصيل من القلب ، والعالم هو القلب ، والمعلوم هو ذلك الأمر المحصّل ، وتصور حقيقة العلم عسير جدا ، فالعلم درك المدرك على ما هو عليه في نفسه إذا كان دركه غير ممتنع ، وأما ما يمتنع دركه ، فالعلم به هو لا دركه ، كالعلم بالله هو لا دركه ، ولكن لا دركه من جهة كسب العقل كما يعلمه غيره ، ولكن دركه من جوده وكرمه ووهبه كما يعرفه العارفون - أهل الشهود - لا من قوة العقل من حيث نظره .
( ف ج 1 / 91 ) .
فالعلم أشرف الصفات ، وبه تحصل النجاة ، إذا حكّمه الإنسان على نفسه ، وتصرف في أموره بحسب حكمه ، فإن العلم إذا لم يثمر لصاحبه ما يعطيه حقيقته ، فما ثمّ علم ، ولا ذلك عالم ، فإنه من المحال عندنا أن يعلم العالم ويعدل عن حكم علمه جملة واحدة ، وهو جائز عند علماء الرسوم ، وعندنا هذا الجائز ليس بواقع في الوجود ، وهي مسألة صعبة ، فإن العلم عندنا يقتضي العمل ولا بدّ ، وإلا فليس بعلم وإن ظهر بصورة علم ، فإنه من المحال أن يكون هناك علم يعطي العمل قيامه بصاحبه ولا بعمل ، ولا يجوّز