به متحدا ، ورأينا له بركات لا أحصيها ، وهو الذي أطلعت منه على المراقبة ، فكنت رقيبا على نفسي نيابة عن اللّه ، حين أمرها أن تكون على وصف خاص معلوم في الشرع المطهر المنزل على لسان المعصوم صلى اللّه عليه وسلم ، ورقيبا على آثار ربي فيما يورده على قلبي ، وفي جميع حركاتي وسكناتي ، ورقيبا أيضا عى ربي بموازنة حده المشروع في عباده ، فكنت أقيم الوزن بين أمره ونهيه وبين إرادته ، لأرى مواقع الخلاف ممن خالف والوفاق ممن وافق ، وما جعلني في ذلك إلا ما شيب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وما هو عندي إلا قوله :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
فإذا وافق الأمر الإرادة ، كانت الاستقامة كما أمر ، وحصل الوفاق ، وإذا لم يوافق الأمر الإرادة ، وقع ما حكمت به الإرادة ، ولم يكن للأمر حكم في المأمور ، وعلمنا عند ذلك ما هو الأمر الإلهي الذي لا يعصى ، ومن هو المخاطب ، وما هو الأمر الإلهي الذي يعصى في وقت ؟ فلم نجده إلا الأمر بالواسطة ، وهو على الحقيقة أمر لفظي صوري ، فهو صيغة أمر لا حقيقة أمر ، وأن المأمور بالأمر الإلهي الذي لا يعصى ، إنما هو المخاطب عين الممكن ، الذي توجه من الحق عليه الإيجاد ، بأن يقول له : كن ، فيكون ولا بد ، فهذا هو الأمر الذي لا يعصيه المخاطب أصلا ، وإنما الإنسان المكلف هو محل ظهور هذا المكون ، كما أن المكون محل التكوين ، فيقول للشهادة : كن ؛ فتكون الشهادة ، وما لها محل إلا لسان الشاهد وهو القائل ، فتنسب الشهادة إلى من ظهرت فيه ، ليس له فيها تكوين ، وإنما التكوين فيها للّه في هذا المحل الخاص ، وهكذا جميع أفعال المكلفين ، وكون ذلك الفعل طاعة أو معصية ليس عينه ، وإنما هو حكم اللّه فيه ، فكنت أشاهد تكوين الأشياء في ذاتي وفي ذات غيري ، أعيانا قائمة ذاكرة للّه مسبحة بحمده ، مع كونها ينطلق عليها اسم معصية وطاعة ، فطلبت من اللّه مسمى المعصية هل له عين وجودية أو لا عين له ؟ وهل بينه وبين مسمى الطاعة فرقان ، أم الحكم سواء ؟ فإن اللّه لا يأمر بالفحشاء ، وما يتكون شيء إلا عن أمره ، فهل للمعصية تكوين أم لا ؟ فأطلعنا على أن مسمى المعصية إنما هو ترك ، والترك لا شيء ولا عين له ، فوجدناها مثل مسمى العدم ، فإنه اسم ليس تحته عين وجودية ، فإن الشأن محصور في أمر لا يفعل أو نهي لا يمتثل ، وغير ذلك ما هو ثمّ ، فما تحت لم يفعل ويخالف ، إلا أمر عدمي لا وجود له ، وكذلك النهي لا تفعل فلم يمتثل نهيه ، ومدلول لم يمتثل عدم لا عين له في الوجود لأنه نفي ، فما أخذ العبد في الوجهين إلا بأمر عدمي ، وهو ترك الأمر