الحروف ، وأما علمه بباطنها فعلى تلك المدرجة يرجع إلى الحق فيها ، فيقف على أسرارها ومعانيها من الاسم الباطن ، إلى أن يصل إلى غايتها ، فيحجب الحق ظهوره بطريق الخدمة في نفس الأمر ، فيرى مع هذا القرب الإلهي خلقا بلا حق ، كما يرى العامة بعضهم بعضا ، فيحكم في العالم عند ذلك بما تقتضيه حقيقته ، بما هو نسخة كونية للمناسبة التي بينه وبين العالم ، فلا يعلم العالم هذا القرب الإلهي ، وهذا هو محق المحق الذي يصل إليه رجال اللّه ، فهو يشهد اللّه باللّه ، ويشهد الكون بنفسه لا باللّه ، ويكون في هذا المقام متحققا من حروف أوائل السور المعجمة بالألف والراء خاصة ، مع علمه بما بقي منها ، غير أن الحكم فيه للألف والراء في هذا المقام ، حيثما وقعا من السور ، وأما حكمه في العالم في هذا المقام فمن باقي هذه الحروف ، من لام وميم وصاد وكاف وهاء وياء وعين وطاء وسين وحاء وقاف ونون ، فبهذه الحروف يظهر في العالم في مقام محق المحق ، وبالألف والراء يظهر في المحق ، وهم الأولياء الذين قال فيهم النبي : « إذا رؤوا ذكر اللّه » وذلك لأن عين تجليهم بهذين الحرفين في الصورة الظاهرة عين تجلي الحق ، فمن رآهم رأى الحق ، فهم إذا رؤوا ذكر اللّه لتحققهم بصفته ، فهم يشاهدون الحق فيه ، إذا تجلى لهم في صورة حق .
ولما كان بين رتبة الألف من هذه الحروف وبين الراء ثلاث مراتب ، لذلك لم تقو الراء قوة الألف ، فإن الألف لا تحمل الحركة ولا تقبلها والراء ليست كذلك . واعلم أن محق المحق أتم عند أهل اللّه في الدنيا ، والمحق أتم في الآخرة ، ومحق المحق لا يفوز به إلا أخص أهل اللّه ، وهو للعقول المنورة هياكلها ، والمحق يفوز به الخصوص ، وهو للنفوس المنورة ، جعلنا اللّه ممن محق محقه فانفرد به حقه . ( ف ح 2 / 555 ) .
الخلوة الإلهية بالغوث :
اتخذ اللّه تعالى الخلوة للانفراد بعبده ، ولهذا لا يكون في الزمان إلا واحد يسمى الغوث والقطب ، وهو الذي ينفرد به الحق ويخلو به دون خلقه ، فإذا فارق هيكله المنور انفرد بشخص آخر ، لا ينفرد بشخصين في زمان واحد ، وهذه الخلوة الإلهية من علم الأسرار التي لا تذاع ولا تفشى ، وما ذكرناها وسميناها إلا لتنبيه قلوب الغافلين عنها ، بل الجاهلين بها ، فإني ما رأيت ذكرها أحد قبلي ، ولا بلغني ، مع علمي بأن خاصة أهل اللّه