وإنّما هو ذرّة ضمن قدرتك التي ليس لها حدّ . وهذا يعني ، بدوره ، أنّ المكان لا يحدّك ولا يقيسك ويستحيل أن يمتد إلى ذاتك التي هي أبعد من كل بعيد وأوسع من كل واسع . [ وقد جرّب إبراهيم ، خليلك الأول ، أن يتصوّرك في أبعد بعيد فتوهمك في القمر أولا ثم في الشمس ثانية ثم انقلب إليه بصره وهو حسير ] .
وإذ فشلت العين في الامتداد إليك عبر الآفاق في الجهات الستّ ظهر لي أن الخيال ، الذي يتجاوز مدى العين في اختراق الأبعاد وملاحقة الآمال ، لا يصلح أيضا وسيلة للوصول إليك ، إذ ذاتك أبعد من منتهى الأوهام .
وحين فشلت آلة الوهم في حملي إليك ، بافتراضك بعيدا جدّا ، زيّن لي منطقي الإنساني القاصر أن أجرب افتراضك قريبا ، والانطلاق إلى طلبك من هذا اللحاظ . ولاح لي - لمّا جرّبت ذلك [ وفي هدى قولك :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
] أنك من القرب بحيث تعجز وحدة المكان المعروفة عن قياسك إذ أنت أدق وأدنى من كل مسافة ، فكأنّ العين ملتصقة بك تماما وهكذا تعجز عن أن تراك . وإذ عدت خائبا من تطلّبي لك عبر آفاق البعد ومتاهات القرب وجدتك فجأة تملأ نفسي في سائر أحوالي : في إحساسي بالوجود ، وفي تخريجي المتعمّد له ، وفي غيبتي عنه . فعلمت أن وجودك هو . الجوهر الثابت الذي لا يحول ، وارتحت إلى معرفتي أنّني أنا الحائل الزائل المتغيّر المتقلّب القلق الذي لا يقرّ له قرار . وأنارت بصيرتي هذه الحقيقة التي انبعثت من أعماق ذاتي ومن أغوار عشقي للّه ، وظهر لي أن مجرد شعوري الداخلي بوجودك هو في حدّ ذاته إلغاء لوجودي الجزئي وإعلاء لوجودك الكلّي المحيط واستمرار له .
وحتى في حال فنائي وإلغائي ، كلّما جال في ذهني الاستفسار عن حقيقتي أنا أضمحلّت ذاتي وغلبت ذاتك ، إذ أنت الموجود والمقصود والمعبود . أنت جوهري في حياتي وفي أحاسيسي ، واتّصالك بي لا ينقطع في كل مكان أمثل فيه وكل زمان يوقّت كوني حيّا موجودا . ولذّ لي أن أتبيّن