القيود ، وتوضّأ وهو على طرف المحبس وفي صدر ذلك المجلس منديل ، وكان بينه وبين المنديل مسافة . فو اللّه ، ما أدري أنّ المنديل قدم إليه أم هو إلى المنديل ؟ ! فتعجبت من ذلك ، وهو يبكي بكاء ، فقلت له : لم لا تخلّص نفسك ؟ فقال : ما أنا محبوس ! أين تريد يا بن خفيف ؟ قلت : نيسابور ! فقال : غمّض عينيك ثم قال : افتحهما ففتحت فإذا أنا بنيسابور في محلة أردتها . فقلت : ردّني ، فردّني وقال . . . » .
وورد مثل هذا الخبر في « أخبار الحلّاج » عن أحمد بن فاتك في قوله :
« لمّا حبس الحلّاج ببغداد كنت معه ، فأول ليلة جاء السجّان وقت العتمة فقيّده ووضع في عنقه سلسلة وأدخله بيتا ضيقا . فقال له الحسين : لم فعلت هذا بي ؟ قال : كذا أمرت : فقال له الحلّاج : الآن أمنت منّي قال : نعم .
فتحرك الحلّاج فتناثر الحديد عنه كالعجين . وأشار بيده إلى الحائط فانفتح فيه باب ، فرأى السجّان فضاء واسعا فعجب من ذلك . ثم مدّ الشيخ يده وقال : الآن افعل ما أمرت به ، فأعاده كما فعل أول مرة . . . » ( ص 90 - 91 ) .
ج - واضح أن المراد بالموت هنا المعنويّ منه لا الحسّي ، والحبّ هنا ما يعبّر عنه عند الصوفية بالخلّة باعتبارها « تخلّل العبد بصفات الحقّ بحيث يتخلّله الحق ولا يخلّي منه ما يظهر عليه ( من ) شيء من صفاته فيكون العبد مرآة الحق » ( اصطلاحات الصوفية للكاشاني ، ص 161 ) وهي فكرة عبر عنها الشبلي بقوله :
قد تخلّلت مسلك الروح منّي * وبذا سمّي الخليل خليلا
فإذا ما نطقت كنت حديثي * وإذا ما سكتّ كنت غليلا
( ديوان الشبلي من جمعنا وتحقيقنا ، بغداد 1967 ، ص 120 ) .
د - تقريبا لمعنى هذه القطعة نذكر وصف سبط بن الفارض لجدّه الشاعر الصوفي الكبير على لسان ابنه محمود إذ قال فيه : « كان في أغلب أوقاته لا يزال داهشا لا يسمع من يكلّمه ولا يراه ، فتارة يكون واقفا وتارة يكون مستلقيا على ظهره مسجّى كما يسجّى الميت ، وتمر عليه عشرة أيّام