إياك إياك يا من أحياك من إياك * واخرج لإياكّ من إياك عن إيّاك
وافنى بإيّاك عن إياك عن إياك * وانظر لإياك تلق إياك هو إيّاك « 1 » .
2 - ب . ودون وعي ودون اهتمام ، وانشغالا بالقيم الروحية ، وقع الحلّاج في محذور شعري آخر هو ملء البيت من الشعر بحشد من حروف الجر كقوله :
العشق من أزل الآزال من قدم * فيه به منه يبدو فيه إبداء
وقوله :
كان الدليل له منه إليه به * من شاهد الحق في تنزيل قرآن
كان الدليل له منه به وله * حقا وجدناه في تنزيل فرقان
ولعل القارئ لاحظ أن البيتين الأخيرين يحفلان بأحد عشر حرف جر عدا ، وهو أمر ممجوج جدا في عالم الشعر التقليدي ، لكنه كان - بالنسبة للحلّاج - مظهرا من مظاهر التركيز والفهم والإشارة ، إذ به ينقطع الطريق على الجهات الست كلها أن تدعي إحداها أنها خلو من الإشارة إلى معنى الحق ، أو يسوغ لإحداها فقط الصلاح لتضمّن الحق أو احتوائه . بل إن تداعي المعنى ليشير إلى جهة سابقة ليست الفوق ولا التحت ولا الخلف ولا الأمام ولا اليمين ولا اليسار ، بل هي المركز الذي هو الذات أو القلب ويشار إليه بالباء . وهذه الباء المركزية أيضا غريبة وضعيفة عن حمل الحق وتحمله وإن كان لها شأن آخر في أفكار الحلّاج كما تأتي الإشارة .
2 - ج . فوق هذا شغل التوجّه الروحي الكامل الحلّاج عن الوقوع في عيوب شعرية طالما أخذت على كبار الشعراء . لكنها كانت - بالنسبة للحلّاج - مظهرا من مظاهر السذاجة وقلة البضاعة من فنون الشعر العملية .
من هذه النماذج قلبه الهاء في القافية همزة في قوله :
واللام بالألف المعطوف مؤتلف * كلاهما واحد في السبق معناء
هامش
( 1 ) روض البشر في أعيان دمشق في القرن الثالث عشر لمحمد جميل الشطي ( 1201 - 1300 ه / 1786 - 1883 م ) ط . دمشق 1946 م ، 1 / 185 .