شعر الحلّاج
1 - من الظواهر الغريبة في تاريخ التصوّف أن الشعر الصوفي لم يساير تطور التصوف ، قوة وضعفا ، خلال القرون وإنما كان متخلفا عنه أيام قوته ونضجه في القرنين الثالث والرابع الهجريين [ - التاسع والعاشر الميلاديين ] متفوّقا عليه في القرنين السادس والسابع الهجريين [ الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين ] ، وما بعدهما .
والظاهر أن البناء النفسي والفكري للتصوّف سار أشواطا لم يقو الشعر على قطعها في المدة نفسها لسبب بسيط ، هو أن الشعر يتطلب ممارسات معينة ، قياسية في الغالب ، ذات تقاليد وصور وألفاظ تحتاج إلى إنعام نظر ودربة ورياضة وخبرة لم تكن قابلة للمعايشة والمتابعة والتنمية لانشغال الصوفي ، على العموم ، ببواطنه لا بقصد التعبير وإنما بقصد العمارة والبناء والتطبع قبل كل شيء .
والحق أن هذه المشغلة هبطت بالشعر الصوفي عن الطبقة التي كان ينبغي أن يرتفع إليها . وبيان ذلك أن طابع التركيز في التربية الصوفية من التلبس بالمقامات ومعاناة الأحوال والإلحاح على تحصيل خلائق بعينها ، كالزهد والتوبة والفتوة والفناء والجمع وعين الجمع وما إلى ذلك ، كلّه يستوفي جهد الصوفي ويستنفد وقته ، فلا يدع له مجالا للعناية بشؤونه الأخرى ، ومنها قرض الشعر وصقله والظهور بمظهر الشاعر التقليدي الصنّاع القادر على تطويع الألفاظ للمعاني التي تعتمل في نفسه . ولهذا تلمسنا في الشعر الصوفي المبكر ركة وضعفا وسذاجة في اللفظ والقافية والصياغة ، وإن