تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح ديوان الحلاج — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
كان حافلا بالمعاني الأبكار والأحاسيس الدفينة . أما اللفظ فقد خان الصوفية كثيرا لتركيزهم على معنى بعينه في رحلتهم الصوفية النفسية التي يفرض فيهم أن يقطعوا المقامات واحدا بعد الآخر بعد تشبّعهم بمعناه . ونموذج على هذه الظاهرة يتمثل في قول الشبلي أثناء مغالبته مصاعب مقام الصبر :
صابر الصبر فاستغاث به الصب * ر فقال المحب للصبر : صبرا !
فقد حمله امتلاء نفسه بمعاني الصبر وتمثّله لها في كل لحظة ومعايشته لها بقصد تطويعها لنفسه وغرسها فيها ، بوصفها طبيعة من طبائعه ، حمله ذلك على التكرار مرة بعد مرة دون إحساس بأن ذلك القبيح في الشعر ، وأن على الشاعر أن يروض نفسه على السعة والتشعّب ليحصّل القدرة على التصرف في الألفاظ لا الرضوخ لها والاستئسار لسلطانها . لكن غلبة العنصر النفسي أدى إلى الاستجابة إليه على القيم الجمالية التي كانت مرعية لأيامه . 2 - أ . وقد وقع الحلّاج في هذا العيب النقدي في قوله - مكررا لفظ النور وجمعه أربع مرات في شطر واحد ، وكلمة السر ومشتقاته أربع مرات في الشطر الثاني - :
لأنوار نور النور في الخلق أنوار * وللسر في سرّ المسرّين أسرار
ومثل هذا وقع في قوله :
يا كلّ كلي ، وكلّ الكل ملتبس * وكلّ كلّك ملبوس بمعنائي
ومما يذكر هنا أن ابن عربي ، كان شيخ الصوفيين الأكبر وخبيرهم في اللغة والشعر ، ( ت 638 ه / 1241 م ) ، وقع في هذا المحذور ، لا انقيادا وضعفا ، وإنما قصدا وتعمدا ، وابداء لبراعته في التصرف في الألفاظ ، غير أنه خرج بهذا التعبير عن الشعر ألقريض ، الذي تتحكم فيه التقاليد المذكورة ، إلى الشعر العامي الذي يبدو أن تقاليده وقواعده كانت تسمح بهذا التكرار . من هنا قال ابن عربي على المواليا :