والحديث الذي ذكره رواه مسلم . ووقع من ذلك الجيش من القتل والفساد العظيم ، والسبي وإباحة المدينة ما هو مشهور حتى افتضَّ نحو ثلاثمائة بكر ، وقُتل من الصحابة نحو ذلك ، ومن قرأ القرآن نحو سبعمائة نفس ، وأبيحت المدينة أيّاماً . وبطلت الجماعة من المسجد النبويّ أيّاماً ، فلم يتمكّن أحد دخول مسجدها ، حتى دخله الكلاب والذئاب ، وبالت على منبره صلّى الله عليه وآله - تصديقاً لما أخبر به - ولم يرض أمير ذلك الجيش إلّا بأن يبايعوه ليزيد على أنّهم خَوَلٌ له إن شاء باع ، وإن شاء أعتق .
فذكر له بعضهم البيعة على كتاب الله وسنّة رسوله ، فضرب عنقه . وذلك في وقعة الحرَّة السابقة .
ومن جملة ما جرّتنا مناسبة الكلام إلى ذكره في مثل هذا المقام هو ما نقله السيّد الجزائريّ في كتابه « المقامات » عن ابن أبي الحديد المعتزليّ البغداديّ في شرحه على « النهج » ، عن يحيى بن سعيد الثقة ، قال : حضرتُ عند إسماعيل بن عليّ الحنبليّ فقيه الحنابلة ومقدَّمهم ببغداد ، إذ دخل عليه رجل حنبليّ كان في الكوفة ، فقال : يا سيّدي ! شاهدتُ يوم زيارة الغدير عند قبر علي بن أبي طالب عليه السلام ، ورأيتُ فيه من الفضائح وسبّ الصحابة جهاراً بأصوات مرتفعة .
فقال إسماعيل : أيّ ذَنْبٍ لَهُمْ ؟ ! فَوَ اللهِ مَا جَرَّأهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَا فَتَحَ لَهُمْ ذَلِكَ البَابَ إلَّا صَاحِبُ ذَلِكَ القَبْرِ .
فقال : يَا سَيِّدي ! فَإنْ كَانَ مُحِقّاً فَمَا لَنَا نَتَولَّى فُلَاناً وَفُلَاناً ؟ ! وَإن كَانَ مُبْطِلًا فَمَا لَنَا نَتَوَلَّاهُ ؟ ! ينبغي أنْ نَبْرَأ إمَّا مِنْهُ أوْ مِنْهُمَا !
قال يحيى بن سعيد : فقام إسماعيل مسرعاً ولبس نعله ، وقال :
لَعَنَ اللهُ الفَاعِلَ بْنَ الفَاعِلَةِ - يَعْنِي بِهِ نَفْسَهُ الخَبِيثَةَ - إن كَانَ يَعْرِفُ جَوَابَ هَذِهِ المَسْألَةِ !
ودخل دار حرمه .
معرفة الإمام — صفحة 439
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٤٣٩