وكيع : وكان ابن المبارك رجلًا عاقلًا ، فقال ابن المبارك : إن كَانَ طَارَ في الاولَى فَإنَّهُ يَطِيرُ في الثَّانِيَةِ . فسكت أبو حنيفة ولم يقل شيئاً . « 1 »
العاشر : نقل بسنده عن مؤمّل قال : سمعتُ حمّاد بن سَلِمَة يقول - وذكر أبا حنيفة - : إن أبا حنيفة استقبل الآثار والسنن فردّها برأيه . « 2 »
حكم أبي حنيفة في قطع يد السارق الذي سرق فسيل النخل
الحادي عشر : روى بسنده عن بشر بن السَّريّ قال : أتيتُ أبا عوانة فقلتُ له : بلغني أنّ عندك كتاباً لأبي حنيفة أخرجه ! فقال : يا بني ! ذكّرتني ! فقام إلى صندوق له فاستخرج كتاباً . فقطّعه قطعةً قطعةً فرمى به .
فقلتُ : ما حملك على ما صنعتَ ؟
قال : كنتُ عند أبي حنيفة جالساً فأتاه رسول بعجلة من قبل السلطان كأنّما قد حموا الحديد وأرادوا أن يقلّدوه الأمر . فقال : يقول الأمير : رَجُلٌ سَرَقَ وَدِيّاً « 3 » فَمَا تَرَى ؟
هامش
( 1 ) - « تاريخ بغداد » ج 13 ، ص 406 .
( 2 ) - « تاريخ بغداد » ج 13 ، ص 408 .
( 3 ) - جاء في لفظ « تاريخ بغداد » المطبوع : وَدْياً بسكون الدال . ولا جرم أنّ هذا خطأ ، لأنّ الوَدْي في اللغة هو الماء الأبيض الذي يخرج من الرجل بعد البول . وأمّا الوَدِيّ فهو فسيل النخل الذي ينقل من مكان إلى آخر لغرسه . ففي « تاج العروس » ج 10 ، ص 387 ، و « لسان العرب » ج 15 ، ص 386 ، و « صحاح اللغة » ج 2 ، ص 561 بالترتيب : الوَدِيّ ( كغنيّ صِغَارُ الفَسِيلِ ، الوَاحِدَةُ كَغَنيَّة ) . وَالوَدِيّ عَلَى فَعِيلٍ : فَسِيلُ النَّخْلِ وَصغارهُ ، وَاحِدتها وَدِيَّةِ .
وذكره ابن الأثير في « النهاية » ج 5 ، ص 170 ، بهذا المعنى وقال : ومنه حديث أبي هريرة « لم يَشْغلْني عَنِ النبيّ صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم غَرْسُ الوَدِيّ . وقد تكرّر في الحديث .
وروى أبو داود في سننه ( تصحيح محمّد محيي الدين عبد الحميد ، ج 4 ، ص 136 و 137 ) عن عبد الله بن مَسْلَمَة ، عن مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد ، عن محمّد بن يحيى بن حبان أنّ عبداً سرق وديّاً من حائط رجل فغرسه في حائط سيّده ، فخرج صاحب
الوديّ يلتمس ودية ، فوجده ، فاستعدى على العبد مروان بن الحكم وهو أمير المدينة يومئذٍ ، فسجن مروان العبد ، وأراد قطع يده ، فانطلق سيّد العبد إلى رافع بن خديج ، فسأله عن ذلك ، فأخبره أنّه سمع رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم يقول : لَا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ . فقال الرجل : إن مروان أخذ غلامي وهو يريد قطع يده وأنا أحبّ أن تمشي معي إليه فتخبره بالذي سمعت من رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ! فمشى معه رافع بن خديج حتى أتى مروان بن الحكم فقال له رافع : سمعت . . . يقول : لَا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ .
فأمر مروان بالعبد ، فأرسل . قال أبو داود : الكَثَر : الجُمَّار . والجُمّار والجامور كما جاء في « أقرب الموارد » هو شَحم النخل ( مادّة بيضاء في أسفل جذع النخلة يؤكل كالشحم . وهو غير الجَمارى والجمارَى وهو مادّة بيضاء ليّنة لذيذة الطعم كالحليب المتجمّد تكون في رأس النخلة ، ويُؤكل أيضاً ) . وقال في « مجمع البحرين » في الحديث : لَا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ بفتحتين وسكون الثاء : جَمّار النخل . وقيل : طلعه .