وفي هذا العصر كان صوت التشيّع جهيراً ، وعلماؤه تناضل وتناظر .
وكثرت التاليف في كلّ علم ، واتّسعت في الأخلاق والكلام خاصّة .
مسار العلوم وتأريخ الشيعة في عصر الإمام العسكريّ عليه السلام
« 1 »
جاء الحسن العسكريّ عليه السلام من المدينة مع أبيه الهاديّ عليه السلام يوم استقدمه المتوكّل . وما زال مع أبيه إلى أن التحق أبوه بالرفيق الأعلى . وبقي هو مدّة إمامته القصيرة في سامرّاء . وقضى أيّام حياته التي في سامرّاء في نكد وأذى ، فكان شريك أبيه الهاديّ فيما أصابه . وانفرد بعد أبيه فيما قصده به العبّاسيّون من سوء . وكان حالهم معه من الإساءة والغضّ من مقامه والتضييق عليه والسجن كحالهم مع أبيه ، دون أن يلاقي منهم فسحة أو إرفاقاً .
والشيعة في أيّامه كحالها مع أبيه . وأصبحت قم في عهده وعهد أبيه من قبل عاصمة كبرى من عواصم العلم الشيعيّة . وفيها من رواتهما ما لا عدّ له ، ومن المؤلّفين في الحديث وفنون العلم جمّ غفير .
وكان في سامرّاء وما جاورها من الشيعة عدد لا يستهان به . وفي بغداد خلق كثير . وكانت المدائن يومئذٍ عامرة ، وللتشيّع فيها القِدْحُ المُعَلَّى . « 2 » وما زالت المواصلات بينهم وبين الإمام متوالية . ولعلّ سلمان
هامش
( 1 ) - ولد في ربيع الثاني سنة 231 ، أو 232 ، وقُبض في سامرّاء لثمان خلون من ربيع الأوّل على الأشهر سنة 260 ، ودُفن مع أبيه في دارهما . فكانت أيّام إمامته ستّ سنين ، وعمره 28 أو 29 سنة . فهو أصغر الأئمّة بعد الجواد عمراً .
( 2 ) - القِدح بكسر القاف وسكون الدال السهم قبل أن يُنصل ويراش . ويقال لسهم الميسر ( القمار ) قِدح أيضاً . والمُعَلَّى سابع سهام الميسر ومداه أبعد من سائر السهام . وكان ضرب من الميسر في الجاهليّة يقال له : الأزلام . وهو أنّهم كانوا يشترون البعير بثمنه ويقامرون عليه ، حيث كان يجتمع منهم ثمانية ، ويضعون ثماني قداح في خريطة ويكتبون على واحد منها « سهم واحد » ، وعلى الآخر « سهمان » وهكذا حتى يكتبوا على السهم السابع « سبعة أسهم » . ولكلّ منها اسم خاصّ به ، مثلًا اسم السهم السابع المعلّى . ويكتبون على السهم الثامن : « بلا سهم » . ثمّ يقسّمون العبير إلى 28 سهماً ، أي : إلى سبعة أسهم ، وستّة ، وخمسة ، حتى سهم واحد فيصبح المجموع 28 سهماً . فيأتي المقامرون الثمانية إلى الخريطة ، ويستخرجون القِداح ، فالمكتوب عليها عدد واحد يأخذ سهماً واحداً ، والمكتوب عليها اثنان يأخذ سهمين . وهكذا فالذي يأخذ العدد ( 7 ) يأخذ سبعة أسهم من البعير ، وهي الحصّة الأكبر من بين الحصص . أمّا الذي يرفع القدح المكتوب عليها « بلا سهم » فيخسر في هذا القمار ، وما عليه إلّا أن يدفع ثمن البعير كلّه . وفي هذا الضرب من القمار يفوز سبعة بأسهم متفاوتة ، ويخسر واحد منهم . ولمّا كانت أعلى حصّة للسهم السابع ، لهذا يُعَبَّر عنه القِدْحُ المُعَلّى . ويستعمل عند العرب لصاحب النصيب الأعظم . ويقول المرحوم المظفّر في هذه العبارة : القسط الأتمّ والأكمل في التشيّع كان من نصيب أهل المدائن الذين تربّوا على يد سلمان الفارسيّ وحذيفة بن اليمان .