أمرهم واخرجوا من ديارهم - « 1 » من أن يستعينوا بالمكر ، ويتوسّلوا بالدهاء ، لكي يصلوا إلى ما يبتغون ، فهداهم المكر اليهوديّ إلى أن يتظاهروا بالإسلام ويطووا نفوسهم على دينهم ، حتى يخفى كيدهم ، ويجوز على المسلمين مكرهم . وقد كان أقوى هؤلاء الكهّان دهاءً وأشدّهم مكراً كعب الأحبار ، ووهب بن منبّه ، وعبد الله بن سلام .
ولمّا وجدوا أنّ حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى ، وأنّ المسلمين قد سكنوا إليهم ، واغترّوا بهم ، جعلوا أوّل همّهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم ، وذلك بأن يدسّوا إلى أصوله التي قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات ، وأوهام وترّهات ، لتوهين وتضعيف هذه الأصول .
ولمّا عجزوا عن أن ينالوا من القرآن الكريم ، لأنّه قد حُفظ بالتدوين ، واستظهره آلاف من المسلمين ، وأنّه قد أصبح بذلك في منعة من أن يزاد فيه كلمة أو يتدسّس إليه حرف ، اتّجهوا إلى التحدّث عن النبيّ فافتروا - ما شاءوا أن يفتروا - عليه أحاديث لم تصدر عنه . « 2 »
وأعانهم على ذلك أنّ ما تحدّث به النبيّ في حياته لم يكن محدود المعالم ، ولا محفوظ الأصول ، لأنّه لم يُكتب في عهده صلوات الله عليه كما كتب القرآن ، ولا كتبه صحابته من بعده ، وأنّ في استطاعة كلّ ذي هوى أو دخلة سيّئة ، أن يتدسّس إليه بالافتراء ، ويسطو عليه بالكذب ،
هامش
( 1 ) - أجلي عمر يهود خيبر إلى « أذرعات » وغيرها سنة 20 ه - ، وأجلي يهود نجران إلى الكوفة ، وقسّم وادي القري ونجران بين المسلمين ( « البداية والنهاية » لابن كثير ، ج 8 ، ص 108 ) ، وذلك لمن لم يكن معه عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم .
( 2 ) - قال ابن الجوزيّ : لمّا لم يستطع أحد أن يُدخل في القرآن ما ليس منه ، أخذ أقوام يزيدون في الحديث ويضعون ما لم يقل . ( « تاريخ ابن عساكر » ج 2 ، ص 14 .