بل تقلّب في أطوار مختلفة .
فكان في أوّل أمره جمعاً من رواية الرواة ممّا وعت الذاكرة من أحاديث رسول الله . وكان ذلك في صحف لا يضمّها مصنَّف جامع مبوَّب . وكانت هذه الصحف تضمّ مع الحديث فقهاً ونحواً ولغة وشعراً ، وما إلى ذلك ، ممّا يقضي به طفولة التدوين . وهذا هو « الطور الأوّل » من التدوين . ولم يصل إلينا منه شيء في كتاب خاصّ جامع .
ثمّ أخذ التدوين في طوره الثاني في عصر العبّاسيّين ، فهذّب العلماء - بما اقتبسوا من مدينة فارس - ما في هذه الصحف ورتّبوه ، بعد أن ضمّوا إليه ما زادته الرواية في هذا العصر . وصنّفوا من كلّ ذلك كتباً كسروها على الحديث ، وما يتّصل به من أقوال الصحابة ، وفتاوى التابعين ، ولم يُدخلوا فيها أدباً ولا شعراً . وكان كثير من المتقدّمين يطلقون اسم الحديث على ما يشمل آثار الصحابة والتابعين .
وأخذ التدوين هذا النمط تبعاً لارتقاء التأليف في العصر العبّاسيّ . وتميّزت العلوم بعضها من بعض ، وجُمعت مسائل كلّ علم على حدة . وظلّ التأليف يجري على هذه السنن إلى آخر المائة الثانية . ولم يصل إلينا من الكتب المبوّبة في هذا الطور إلّا موطّأ مالك رحمه الله .
وبعد المائة الثانية أخذ التدوين يسير في طريق أخرى دخل بها في الطور الثالث ، فأنشأ العلماء يُفردون كلّ ما روى من الأحاديث في عهدهم بالتدوين بعد أن كان من قبل مشوباً بأقوال الصحابة وغيرهم - كما بيّنّا - وصُنّفت في ذلك مسانيد كثيرة أشهرها « مسند أحمد » ، وهو لا يزال موجوداً بيننا . وسنتحدّث عنه عند الكلام على كتب الحديث ، ونبيِّن منزلته من الصحّة وقيمته بينها .
والمُسْنَدُ أن يجعل جميع ما يروي عن كلّ صحابي - أي ما يسند
معرفة الإمام — صفحة 300
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٣٠٠