دون كتب السُّنن في المرتبة ، ولا يسوغ الاحتجاج بها مطلقاً . وسنتكلّم عن هذه المسانيد فيما بعد ، وعن منزلتها بين كتب الحديث المعروفة .
وقد استمرّ التدوين على هذا النمط إلى أن ظهرت طبقة البخاريّ ، ومن ثمّ أخذ صورة أخرى ودخل في دور جديد ، هو دور التنقيح والاختيار . قال الحافظ ابن حجر في مقدّمة « فتح الباري » : لمّا رأى البخاريّ هذه التصانيف ورواها ، وانتشق رياها ، واستجلى مُحيّاها ، وجدها بحسب الوضع جامعةً بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين ، والكثير منها يشمله التضعيف . « 1 » فلا يقال لغة سمين ؛ فحرّك همّته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين ، وقويّ عزمه على ذلك ما سمعه من أستاذه أمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ المعروف بابن راهويه . . . .
قال أبو عبد الله بن إسماعيل البخاريّ : كنّا عند إسحاق بن راهويه فقال : لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنّة رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلّم ! قال : فوقع ذلك في قلبي ، فأخذتُ في جمع الجامع الصحيح . « 2 »
الأطوار التي تقلّب فيها التدوين
تبيّن لك فيما تقدّم أنّ أحاديث رسول الله صلوات الله عليه لم تدوّن في حياته ولا في عصر الصحابة وكبار تابعيهم ، وأنّ التدوين لم ينشأ إلّا في القرن الثاني للهجرة في أواخر عهد بني اميّة ، وأنّه لم يتّخذ طريقاً واحداً ،
هامش
( 1 ) - قال أبو ريّة في الهامش : بل الوضع كما سيتبيّن لك .
( 2 ) - « فتح الباري » لابن حجر ، المقدّمة ، ص 4 .