وقال عمر بن دينار : ما رأيتُ مجلساً أجمع لكلّ خير من مجلسه ( ابن عبّاس ) ، الحلال والحرام وتفسير القرآن والعربيّة والشِّعر . وهذا هو الطور الأوّل من التدوين ولم يصل إلينا منه أيّ كتاب .
التدوين في العصر العبّاسيّ
وقال السكندريّ :
هبّ العلماء في العصر العبّاسيّ إلى تهذيب ما كُتب في الصحف وتدوين ما حُفظ في الصدور ، ورتّبوه وبوّبوه وصنّفوه كتباً . وكان من أقوى الأسباب في إقبال العلماء على التصنيف في هذا العصر حَثُّ الخليفة أبي جعفر المنصور « 1 » عليه ، وحمله الأئمّة الفقهاء على جمع الحديث ، والفقه . وأنّه قد بذل - على بخله - في هذا السبيل أموالًا طائلة .
وذكروا أنّ عنايته بالعلم لم تقف عند تعضيد العلوم الإسلاميّة ، بل إنّه حمل العلماء والمترجمين من السريان والفرس أن ينقلوا إلى العربيّة من الفارسيّة واليونانيّة علوم الطبّ والسياسة والحكمة والفلك والتنجيم والآداب والمنطق وغيرها . « 2 » فكان بذلك أوّل حاكم ترجمت له الكتب من اللغات الأخرى إلى العربيّة ، على أنّ عنايته بالحديث وجمعه وتدوينه كانت فائقةً ، حتى لقد قيل له : هَلْ بَقِي مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا شَيْءٌ لَمْ تَنَلْهُ ؟ ! فَقَالَ : بَقِيَتْ خَصْلَةٌ : أنْ أقْعُدَ في مِصْطَبَةٍ وَحَوْلِي أصْحَابُ الحَدِيثِ !
هامش
( 1 ) - كان أبو جعفر أوّل خليفة تُرجمت له الكتب السريانيّة والأعجميّة بالعربيّة ، وأوّل من أوقع الفرقة بين بني العبّاس والعلويّين ، بعد أن كان أمرهم واحداً . تولّي سنة 136 ه - ، ومات سنة 158 ه - .
( 2 ) - « تاريخ آداب اللغة العربيّة » للسكندريّ ، ص 71 .