تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الإمام — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
ولكن هذا لا يعني أنّ الإمام السابق قد بيّن للإمام اللاحق جميع الفروع الجزئيّة اعتباراً من أوّل كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات ، أو عدّ له جزئيّات العلوم العقليّة والمعارف الإلهيّة . بل يعني أنّ الإمام السابق أعطى الإمام اللاحق الكلّيّات والأصول . أمّا تفرّع الفروع ، وشرحها وبسطها وتوسيعها حسب حالاتها المختلفة ، ووفقاً للبيئة المناسبة والامّة الجديرة المستعدّة ، وتمشّياً مع متطلّبات الزمان والمكان ، فذلك كلُّه يعود إلى الإمام اللاحق . في ضوء ذلك ، فإنّ الوصول إلى الجزئيّات من كلّيّات الكتاب والسنّة يتطلّب منهم ممارسة القوّة العقليّة والإدراك القلبيّ . وهو ما يُعَبَّر عنه بالمشاهدات الغيبيّة ، وهم يستأثرون به دون غيرهم . « 1 »
هامش
( 1 ) - ما أجمل كلام السيّد على خان المدنيّ الشيرازيّ رضي الله عنه في توضيح هذه الحقيقة ، إذ قال في شرحه على الصحيفة ، ص 14 ، الطبعة الرحليّة ، و : ج 1 ، ص 108 إلى 110 ، طبعة جماعة المدرّسين : قال بعض المحقّقين : اعلم أنّه ليس المراد [ بقول يحيى بن زيد للمتوكّل بن هارون : ولكنّي أعلم أنّ قوله حقّ ، أخذه عن آبائه وأنّه سيصحّ ] ، ما يفهمه الظاهريّون من الناس [ أنّ الصادق عليه السلام أخذ علمه عن آبائه واحداً بعد آخر حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ] أنّ من شأنهم حفظ الأقوال خلفاً عن سلف حتى يكون فضلهم على سائر الناس بقوّة الحفظ للمسموعات أو بكثرة المحفوظات ، بل المراد أنّ نفوسهم القدسيّة قد استكملت بنور العلم وقوّة العرفان بسبب اتّباع الرسول صلى الله عليه وآله بالمجاهدة والرياضة ، مع زيادة استعداد أصليّ وصفاء وطهارة في الغريزة فصارت كمرآة مجلوّة يحاذي بها شطر الحقّ بواسطة مرآة أخرى أو بغير واسطة . ألا ترى أنّ المرايا المتعدّدة المتحاذية ، أو المحاذية لمرآة أخرى هي بحذاء الشمس ينعكس ضوء الشمس إلى جميعها ، فهكذا حال مَن اتّبع الرسول حقّ المتابعة يصير محبوب الحقّ كما قال تعالى : قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ( الآية 31 ، من السورة 3 : آل عمران ) ، ومن أحبّه الله تعالى أفاض الله عليه كما أفاض على حبيبه صلوات الله عليه ، لكنّ الفرق ثابت بين المتبوع والتابع . وبالجملة ، يجب أن يعلم أنّ علوم الأئمّة عليهم السلام ليست اجتهاديّة ولا سمعيّة من طرق الحواسّ ، بل علومهم كشفيّة لدنّيّة تفيض على قلوبهم أنوار العلم والعرفان عن الله سبحانه ، لا بواسطة أمر مباين من سماع ، أو كتابة محسوسة ، أو رواية . أو شيء من هذا القبيل . وممّا يدلّ على ما بيّنّاه وأوضحناه قول أمير المؤمنين عليه السلام : عَلَّمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف بابٍ من العلم فانفتح لي من كلّ باب ألف بابٍ . ( « تاريخ دمشق » لابن عساكر ، تصحيح محمّد باقر المحموديّ ، ج 2 ، ص 483 ؛ و « منتخب كنز العمّال » المطبوع بهامش « مسند أحمد بن حنبل » ج 5 ، ص 43 ) . وقول الرسول صلى الله عليه وآله : اعطيتُ جوامِعَ الكَلِمِ ( « مسند أحمد بن حنبل » ج 2 ، ص 412 ؛ و « سنن الترمذيّ » ج 4 ، ص 123 ، الحديث 1553 ) واعطِيَ عليّ جوامع العلم ( « الأنوار النعمانيّة » ج 1 ، ص 32 ) ومعنى تعليم الرسول له عليه السلام هو إعداد نفسه الشريفة القابلة لأنوار الهداية على طول الصُّحبة ودوام الملازمة بتعليمه وإرشاده إلى كيفيّة السلوك إلى الله تعالى بتطويع النفس الحيوانيّة وقواها لما أمرها بها واستخدمها فيه الروح العقليّ الإلهيّ ، وإشارته صلى الله عليه وآله إلى أسباب التطويع والرياضة حتى استعدّ عليه السلام للانتقاش بالأمور الغيبيّة والإخبار عن المغيبات . وليس التعليم البشريّ ، سواء كان المعلّم رسولًا أو غيره هو إيجاد العلم ، وإن كان أمراً يلزمه الإيجاد والإفاضة من الله تعالى . وفي قوله صلى الله عليه وآله : وأعطي عليّ جوامع العلم ( « الأنوار النعمانيّة » ج 1 ، ص 32 ) بصيغة البناء للمفعول دليل ظاهر على أنّ المعطي لعليّ جوامع العلم ليس هو النبيّ صلى الله عليه وآله ، بل الذي أعطاه ذلك هو المعطي للنبيّ جوامع الكلم ، وهو الحقّ سبحانه وتعالى ، فافهم هذا المقام فإنّه من مزالّ الأقدام - انتهى كلام بعض المحقّقين .
معرفة الإمام — صفحة 225 | السيد محمد حسين الطهراني