تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الإمام — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
ابن حوشب داعيتهم باليمن ، فأمره بالخروج إلى المغرب ، وبثّ الدعوة فيه على علم لقّنه أنّ دعوته تتمّ هناك . وأنّ عبيد الله لمّا بني المهديّة بعد استفحال دولتهم بإفريقية قال : بَنَيْتُهَا لِيَعْتَصِمَ بِهَا الفَوَاطِمُ سَاعَةً مِن نَهَارٍ . « 1 »
هامش
( 1 ) - المراد من الفواطم ثلاث نساء يحملن هذا الاسم ، أخذهنّ أمير المؤمنين عليه السلام معه إلى المدينة بعد هجرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله من مكّة إلى المدينة ، وكان قد لبث في مكّة أيّاماً بأمر النبيّ ليؤدّي مواعيده . واستطاع الإمام عليه السلام أن يوصلهنّ إلى المدينة بعد أن اعترضته قريش في الطريق ، إذ لم يرق لها خروجهنّ من مكّة . وقد تصدّى الإمام لهذه الجماعة المؤلّفة من عدّة رجال مسلّحين ، فعقل الإبل إلى الأرض واستعدّ لمهاجمتهم ، ففرّوا . واستطاع في آخر المطاف من إيصالهنّ إلى المدينة رغم الخوف الذي كان مستحوذاً عليهن ، إذ لم يأمنَّ ملاحقة الكفّار أيّاهنّ حتى المدينة . وكانت هذه الصفوة مشغولة بذكر الله وتسبيحه على طول الطريق الذي كان يقدّر بتسعين فرسخاً تقريباً ، بخاصّة في الليالي الظلماء التي كانت السماء فيها صافية مليئة بالنجوم والكواكب في تلك المناطق التي تتميّز بطبيعة رائعة باهرة . وبلغ من عبادة هذه الصفوة وإقامتها صلاة الليل ، وقيامها وسجودها وذكرها وتلاوتها القرآن وتعلّقها بالله وولعها بالجمال الإلهيّ الأزليّ أنّ الله تعالى أخبر نبيّه الكريم بخبرها على لسان جبرئيل . وهي لم تصل إلى المدينة بعد . وقدّر لها الثواب البارز من خلال الآيات الكريمة في آخر سورة آل عمران . قال تعالى : إنَّ في خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لأيَاتٍ لُاولِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُو وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أنصَارٍ * رَبَّنَا إنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإيمَانِ أنْ ءامِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتنَا على رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أنِّي لا اضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِن ذَكَرٍ أوْ انثَى بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَاخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَاوذُوا في سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لُاكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلُادْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَابا منْ عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَ هُو حُسْنُ الثَّوَابِ . ( الآيات 190 إلى 195 ، من السورة 3 : آل عمران ) . قال سماحة استاذنا الأكرم آية الله المعظّم العلّامة الطباطبائيّ قدّس الله تربته المباركة في بحثه الروائيّ على هذه الآيات ، في « تفسير الميزان » ج 4 ، ص 95 و 96 : وورد من طرق الشيعة أنّ قوله : فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَاخْرِجُوا إلى آخر الآية ، نزلت في عليّ عليه السلام لمّا هاجر ومعه الفواطم : فاطمة بنت أسد ، وفاطمة بنت محمّد صلى الله عليه وآله ، وفاطمة بنت الزبير ، ثمّ لحق بهم في ضجنان امّ أيمن ونفر من ضعاف المؤمنين فساروا وهم يذكرون الله في جميع أحوالهم حتى لحقوا بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم ، وقد نزلت الآيات . وليعلم أنّ عبيد الله لمّا بنى المهديّة قال : بنيتُها ليعتصم بها الفواطم ساعة من نهار . وتكون ملجأً ومأمناً لهنّ في ليالي الهجرة والخوف والدهشة التي أمضينها في العبادة . نلحظ في العبارة نقاطاً بديعة كثيرة ، أنّ فواطم جمع مؤنّث ومفردها فاطمة كطوالب وطالبة . وصار إطلاق الفواطم في التواريخ والسير على هؤلاء النساء الثلاث اللائي هاجرن من مكّة إلى المدينة ، حتى يمكننا أن نقول : أصبح لهنّ علَماً بالغلبة . لهذا فإنّ عبيد الله الذي وضع أساس المهديّة وبناها أراد أن يبيّن أنّ ثورتهم على الأعداء نتيجة لهجرة رسول الله وفواطمه . وها هي الآن تتحقّق عمليّاً . وعندما يُسكن ذراري رسول الله في هذه المدينة الجديدة فإنّ الفواطم المعذَّبة المهاجرة إلى المدينة الطيّبة التي تورّمت أقدامها تسكن فيها حقّاً فتسرّ أرواحهنّ وتَسْكُن . وهذا التعبير فيه نوع من الاستعارة . وإلّا لقال : فاطميّون جمع فاطميّ .