يُسقطون العقل مقبلين على التعبّد بالأخبار دون ملاحظة سندها وصحّتها . فهل يمكن أن يكون هذا غير نَعَم ونُسَلِّم بحمقٍ وغباء حقّاً ؟
إن الأخباريّين لا ينظرون إلى متن الخبر ، هل هو يغاير العلم ، أو يناقض الواقع ، أو يباين حكم العقل ؟ فهم لا ينظرون إلى هذه الجوانب أبداً ، وإنّما يكتفون بالنظر إلى سند الحديث ، ويجتزئون به إذا كان في الأصول الأربعة فحسب . وقد أبطل الاصوليّون هذا الطريق ، وأوصدوا منافذه ، وأحرقوا كيانه ، وذرّوا رماده في الهواء ، حيث يقولون : نحن نميّز صحّة السند من صحّة المتن في كثير من الأوقات ولا يحكم الإسلام والقرآن المبتنيان على العلم والحقّ والأصالة بالباطل ولو تعبّداً . وكان الرسول هو العقل الأوّل في العالم ، وأئمّة الشيعة هم عقول العالم الرفيعة الأولى ؛ فلا تَعبّد أعمى حينئذٍ في الشريعة . فما هو موجود إنّما هو نور ، وحقّ وأصالة ، وحقيقة . وإنّنا نعمل بالأخبار المتواترة أو المستفيضة أو المحفوفة بقرائن قطعيّة . ونعمل بأخبار الآحاد الثابتة حجّيّتها بالقطع واليقين ، لا بكلّ خبر مقطوع أو مرسل في الكتاب الفلانيّ ، مع كثرة الأخبار المنحولة الموضوعة المدسوسة المبثوثة في هذه الكتب .
إن المجتهد لا يعمل بالظنّ إلّا أن ينتهي إلى اليقين في طريق الوصول إلى الحقّ . وإنّ قولهم : ظَنِّيَةُ الطَّرِيقِ لَا يُنَافِي قَطْعِيَّةَ الحُكْمِ يرتبط بهذا الموضوع .
ونحن لا ننوي هنا عدّ أخطاء الأخباريّين واحداً بعد الآخر . فقد تصدّى لهم المرحوم الآغا محمّد باقر البهبهانيّ ، وتلامذته من بعده ، وتلامذتهم الذين أعقبوهم ، ومنهم أفضل المحقّقين الشيخ مرتضى الأنصاريّ في كتاب « الرسائل » . فقد ذكر هذا العَلَم المسائل الخلافيّة بين الاصوليّين والأخباريّين ودرسها دراسة عميقة . ونحمد الله تعالى إذ كَسَد
معرفة الإمام — صفحة 116
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١١٦