في مقام الوحدة المنيع لا يستطيع أن يرى شخصاً آخراً غيره حتى لو كان عليّاً . ولهذا قال : « ما لك لم تذهب » ؟ ! إلّا أن يصير عليّ هنا نفس النبيّ ، وقد صار كذلك ، وقال : أنا معك ! « إنّ لي بك أسوة » !
وهذا الخطاب هو ما ينبغي أن يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما ينبغي أن يُلقى مثل ذلك الجواب من أمير الموحّدين ، تماماً كخطاب سيّد الشهداء عليه السلام أخاه أبا الفضل وأولاد عقيل ليلة عاشوراء .
الخامسة : ذكر ابن هشام في سيرته قائلًا : لمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله جسد حمزة وقد مُثِّل به قال : لَوْ لا أنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةُ ، وَيَكُونَ سُنَّةَ مِنْ بَعْدِي ، لَتَرَكْتُهُ حتى يَكُونَ في بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ . وَلَئِنْ أظْهَرَنِي اللهُ عَلَى قُرَيْشٍ في مَوْطِنٍ مِنَ المَوَاطِنِ لأمْثُلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ . « 1 »
ونقل ابن هشام عن ابن إسحاق أنّ هذه الآية نزلت : وَإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلَّا بِاللهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ في ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ . « 2 » و « 3 »
لا يقاوم شيء في مقام العِزّة الربوبيّة
ونلحظ هنا أيضاً أنّ الله جعل نبيّه في ظلّ ذلّ العبوديّة المحضة وخاطبه قائلًا : ليس لك أن تحكم ، فالحكم للّه ، وهو الذي أمر أن تكون العقوبة على قدر الجريمة ، لا أكثر ، وفي الوقت نفسه ، فإنّ رفع اليد عن
هامش
( 1 ) - « سيرة ابن هشام » ج 3 ، ص 610 و 611 . وذكر الطبريّ في تاريخه ، ج 2 ، ص 529 ، طبعة دار المعارف ، مصر : كانت صفيّة أخت حمزة لأبيه وامّه . وقال رسول الله لابنها الزبير بن العوّام : إلقها فأرجعها ، لا ترى ما بأخيها . فلقيها الزبير وأبلغها . فقالت : لِمَ أرجع ! وذلك في الله قليل . فما أرضانا بما كان من ذلك ! لأحتسبنّ ولأصبرنّ إن شاء الله .
( 2 ) - الآيتان 126 و 127 ، من السورة 16 : النحل .
( 3 ) - « سيرة ابن هشام » ج 3 ، ص 611 .