قال : ولقد حرصتُ على قتل أخي عتبة بن أبي وقّاص حرصاً ما حرصتُ على شيء قطّ ، وإن كان ما علمتُ لعاقّاً بالوالد ، سيّئ الخُلُق ، ولقد تخرّقتُ صفوف المشركين مرّتين أطلب أخي لأقتله ، ولكنّه راغ منّي رَوَغان الثعلب . فلمّا كان الثالثة ، قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله : يَا عَبْدَ اللهِ ! ما تُرِيدُ ؟ ! أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَ نَفْسَكَ ؟ فكففتُ . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم : اللهمّ لا تحولنّ الحول على أحدٍ منهم ! « 1 »
ونقل ابن أبي الحديد عن الواقديّ قال : [ لمّا ] رأى رسول الله صلى الله عليه وآله بحمزة مَثْلًا شديداً ، حزنه ذلك . فقام أبو قَتادة الأنصاريّ فجعل ينال من قريش لما رأى من عَمّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم . وفي كلّ ذلك يشير إليه أن أجلس ثلاثاً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يَا أبَا قَتَادَةَ ! إنَّ قُرَيْشاً أهْلُ أمَانَةٍ ، مَنْ بَغَاهُمُ العَوَاثِرَ « 2 » كَبَّهُ اللهُ لِفِيهِ ! وَعَسَى أنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أنْ تَحْقِرَ عَمَلَكَ مَعَ أعْمَالِهِمْ ، وَفِعَالَكَ مَعَ فِعَالِهِمْ ! لَوْ لا أنْ تَبْطَرَ قُرَيْشٌ لأخْبَرْتَهَا بِمَا لَهَا عِنْدَ اللهِ تَعَالَى .
فقال أبو قتادة : والله يا رسول الله ! ما غضبت إلّا للّه ورسوله حين نالوا منه ( من حمزة ) ما نالوا . فقال : صدقتَ ! بِئْسَ القَوْمُ كَانُوا لِنَبِيِّهِمْ . « 3 »
الثالثة : نقل ابن أبي الحديد عن الواقديّ أنّه قال : إنّ الذي شجّ رسول الله صلى الله عليه وآله في جبهته ابن شهاب ، والذي أشظى رباعيّته وأدمى شفتيه عُتبة بن أبي وقّاص ، والذي أدمى وَجْنَتَيْهِ حتى غاب الحلق فيهما ابن قميئة ، وإنّه سال الدم من الشجّة التي في جبهته حتى أخضل
هامش
( 1 ) - « شرح نهج البلاغة » ج 15 ، ص 5 ، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة .
( 2 ) - العاثور حفرة تُحفر للأسد . ويعني البئر أيضاً . جمعه عواثر وعواثير .
( 3 ) - « شرح نهج البلاغة » ج 15 ، ص 17 و 18 ، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة .